مآربُ كانت في الحياة لأهلهاعِذابًا فصارت في المعاد عَذابا١
النوع الثالث: لذة لا تعقِبُ لذةً في دار القرار ولا ألمًا، ولا تمنع أصل لذة دار القرار، وإن منعَتْ كمالَها٢. وهذه اللذة المباحة التي لا يستعان بها على لذة الآخرة. فهذه زمانها يسير، ليس لتمتُّعُ النفس بها قدر، ولابدّ أن تشغل٣ عمّا هو خير وأنفع منها٤.
وهذا القسم هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: "كلّ لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسه، وملاعبتَه امرأته؛ فإنهنّ من الحقّ"٥.
فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حقّ، وما لم يعن عليها فهو باطل٦.
فصل
فهذا الحبّ لا يُنكَر ولا يُذَمّ، بل هو أحمد أنواع الحب٧. . وكذلك
(١) س: "فصارت في الممات" وقد سبق البيت في ص (٤٠٤).
(٢) ز: "لذة كمالها".
(٣) س: "تشتغل".
(٤) "منها" ساقط من ف.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٥١٣) والترمذي (١٦٣٧) والنسائي (٣٥٨٠) وابن ماجه (٢٨١١) وأحمد في المسند (٤/ ١٤٤) والحاكم في المستدرك (٢٤٦٧). من حديث عقبة بن عامر الجهني. قال الترمذي: "هذا حديث حسن". وفي نسخة: "لهذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
(٦) أشار شيخ الإِسلام إلى هذا المعنى مرارًا في الفتاوى وغيرها.
(٧) ف: "المحبة".
حبّ رسول الله ﷺ وإنما نعني المحبة الخاصّة، وهي التي تشغل قلب المحبّ١ وفكره وذكره لمحبوبه، وإلا فكلّ مسلم في قلبه محبةٌ لله٢ ورسوله، لا يدخل في الإِسلام إلا بها. والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتًا لا يحصيه إلا الله، فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهما.
فهذه المحبة التي تلطّف الروح٣، وتخفّف أثقال التكاليف، وتسخّي البخيل، وتشجّع الجبان، وتصفّي الذهن، وتروّض النفس، وتطيّب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرّمة. وإذا بُليت السرائر يوم اللقاء كانت سريرةُ صاحبها من خير٤ سرائر العباد، كما قيل:
سيبقى لكم في مضمَر القلبِ والحشاسريرةُ حُبٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ٥
وهذه المحبة التي تنوِّر الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب.
وكذلك محبة كلام الله، فإنّه من علامة محبّة الله. وإذا أردت أن تعلم٦ ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر إلى محبة القرآن٧ من
(١) ز: "قلبه".
(٢) س، ف: "محبة الله".
(٣) "الروح" من ف.
(٤) ل: "خير" دون "من".
(٥) ف: "سرائر حبّ". والبيت للأحوص الأنصاري. انظر: شعره المجموع (١٤٥). وقد تمثل المؤلف به في روضة المحبين (٤٠٥) والتبيان (٦٦).