الداء والدواء

قلبك، والتذاذكِ بسماعه أعظمَ من التذاذ أصحاب١ الملاهي والغناء المطرب٢ بسماعهم، فإنه من المعلوم أنّ من أحبّ محبوبًا كان كلامه وحديثه أحبَّ شيءٍ إليه، كما قيل:

إنْ كنتَ تزعُم حُبّيفلِمْ هجرتَ كتابي
أمَا تأمّلتَ ما فيــهِ مِن لذيذِ خطابي٣

وقال عثمان بن عفان ﵁: لو طهرتْ قلوبنا لما شبعَتْ٤ من كلام الله٥.

وكيف يشبع المحِبُّ من كلام محبوبه، وهو غاية مطلوبه! وقال النبي ﷺ يومًا لعبد الله بن مسعود: "اقرأ عليّ"، فقال: أقرأ عليك، وعليك أنزِل؟ فقال: "إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري". فاستفتح، وقرأ سورة النساء، حتّى إذا بلغ قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ٤١﴾ [النساء: ٤١] قال: "حسبك". فرفع رأسه، فإذا عينا رسول الله ﷺ تذرِفان من البكاء"٦.

  1. (١) "أصحاب" ساقط من ز.
  2. (٢) ف: "الغناء والطرب".
  3. (٣) البيتان في روضة المحبين (٣١٢).
  4. (٤) س، ف: "ما شبعت".
  5. (٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على الزهد (٦٧٨) وفي زوائده على فضائل الصحابة (٧٧٥) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٧٢، ٣٠٠)، من طريق سفيان بن عيينة قال: قال عثمان بن عفان فذكره. وسنده ضعيف للانقطاع.
  6. (٦) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب البكاء عند قراءة القرآن (٥٠٥٥)، ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن (٨٠٥).
550

وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكّرنا ربَّنا، فيقرأ وهم يستمعون١.

فلمحبّي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعافُ ما لمحبي السماع الشيطاني. فإذا رأيت الرجل: ذوقَه ووِجْدَه وطربَه ونشوتَه٢ في سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن، وهو كما قيل:

تُقرا عليكَ الختمَه٣وأنتَ جامِدْ كالحجَرْ
وبيتٌ من الشعرِ يُنْشَدْ٤تَميلُ كالنَّشْوانْ٥
  1. (١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٧٩) والدارمي في سننه (٣٥٣٩،٣٥٣٦) وابن حبان في صحيحه (٧١٩٦) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨) والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٣١) وغيرهم من طرق عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوت قال: وكان عمر بن الخطاب، فذكره. وسنده ضعيف للانقطاع، فأبو سلمة لم يدرك عمر بن الخطاب. انظر جامع التحصيل (٣٧٨).
    ورواه جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب، فذكره. ورواه أبو نضرة المنذر بن مالك العبدي قال: قال عمر لأبي موسى، فذكره. أخرجهما ابن سعد في الطبقات (٤/ ١٠٩).
    قلت: حبيب يروي عن نافع وعروة وعطاء، فهو لم يدرك عمر. وأبو نضرة سمع من صغار الصحابة كابن عباس وأبي سعيد الخدري فلعله تلقّاه منهم.
    وهذا يدل على أن لهذا الأثر أصلًا، والله أعلم.
  2. (٢) ف: "شوقه". ل: "تشوقه"، وكلاهما تصحيف.
  3. (٣) س:"يقرأ".
  4. (٤) في س، ل: "بيت" دون الواو قبلها. وفي ف: "وبيت شعر". وفي خب: "بيت الشعر".
  5. (٥) ف: "فتميل". ل: "كالسكران".
551

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي