الداء والدواء

وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكّرنا ربَّنا، فيقرأ وهم يستمعون١.

فلمحبّي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعافُ ما لمحبي السماع الشيطاني. فإذا رأيت الرجل: ذوقَه ووِجْدَه وطربَه ونشوتَه٢ في سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن، وهو كما قيل:

تُقرا عليكَ الختمَه٣وأنتَ جامِدْ كالحجَرْ
وبيتٌ من الشعرِ يُنْشَدْ٤تَميلُ كالنَّشْوانْ٥
  1. (١) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (٧٩) والدارمي في سننه (٣٥٣٩،٣٥٣٦) وابن حبان في صحيحه (٧١٩٦) وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨) والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٣١) وغيرهم من طرق عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوت قال: وكان عمر بن الخطاب، فذكره. وسنده ضعيف للانقطاع، فأبو سلمة لم يدرك عمر بن الخطاب. انظر جامع التحصيل (٣٧٨).
    ورواه جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب، فذكره. ورواه أبو نضرة المنذر بن مالك العبدي قال: قال عمر لأبي موسى، فذكره. أخرجهما ابن سعد في الطبقات (٤/ ١٠٩).
    قلت: حبيب يروي عن نافع وعروة وعطاء، فهو لم يدرك عمر. وأبو نضرة سمع من صغار الصحابة كابن عباس وأبي سعيد الخدري فلعله تلقّاه منهم.
    وهذا يدل على أن لهذا الأثر أصلًا، والله أعلم.
  2. (٢) ف: "شوقه". ل: "تشوقه"، وكلاهما تصحيف.
  3. (٣) س:"يقرأ".
  4. (٤) في س، ل: "بيت" دون الواو قبلها. وفي ف: "وبيت شعر". وفي خب: "بيت الشعر".
  5. (٥) ف: "فتميل". ل: "كالسكران".
551

فهذا من أقوى الأدلّة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلّقه بمحبة سماع الشيطان؛ والمغرور يعتقد أنّه على شيء!

ففي محبة الله وكلامه ورسوله أضعاف أضعاف ما ذكر١ السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حبَّ على الحقيقة أنفع منه؛ وكل حب سوى ذلك باطل، إنْ لم يُعِنْ عليه ويشوِّق المحبَّ٢ إليه.

فصل

وأما محبّة النِّسْوان فلا لوم على المحِبّ فيها، بل هي من كماله٣. وقد امتن الله سبحانه بها٤ على عباده فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٢١﴾ [الروم: ٢١]. فجعل المرأة سكنًا للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحبّ، وهو المودة المقترنة بالرحمة.

وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحلّ لنا من النساء وما حرّم منهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٢٦ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ٢٧ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ٢٨﴾ [النساء: ٢٦ - ٢٨].

ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه:

  1. (١) ف: "طلب".
  2. (٢) ف: "يسوق" بالمهملة. وفي ز: "يسوق المحبة".
  3. (٣) ف: "هي كماله".
  4. (٤) ف: "امتن … " بإسقاط "وقد". و"بها" ساقط من س.
552

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي