فهذا من أقوى الأدلّة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلّقه بمحبة سماع الشيطان؛ والمغرور يعتقد أنّه على شيء!
ففي محبة الله وكلامه ورسوله أضعاف أضعاف ما ذكر١ السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حبَّ على الحقيقة أنفع منه؛ وكل حب سوى ذلك باطل، إنْ لم يُعِنْ عليه ويشوِّق المحبَّ٢ إليه.
فصل
وأما محبّة النِّسْوان فلا لوم على المحِبّ فيها، بل هي من كماله٣. وقد امتن الله سبحانه بها٤ على عباده فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ٢١﴾[الروم: ٢١]. فجعل المرأة سكنًا للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحبّ، وهو المودة المقترنة بالرحمة.
وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحلّ لنا من النساء وما حرّم منهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٢٦ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ٢٧ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ٢٨﴾[النساء: ٢٦ - ٢٨].
ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه:
(١) ف: "طلب".
(٢) ف: "يسوق" بالمهملة. وفي ز: "يسوق المحبة".
(٣) ف: "هي كماله".
(٤) ف: "امتن … " بإسقاط "وقد". و"بها" ساقط من س.
قال١: إذا نظر إلى النساء لم يصبر٢.
وفي الصحيح من حديث جابر عن النبي ﷺ: أنّهّ رأى امرأةً، فأتى زينب، فقضى حاجته منها، وقال: "إنّ المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأةً فأعجبته فليأتِ أهلَه، فإنّ ذلك يرُدّ ما في نفسه"٣.
ففي هذا الحديث عدة فوائد:
منها: الإرشاد إلى التسلّي عن المطلوب بجنسه، كما يقوم الطعام٤ مقام الطعام، والثوب مقام الثوب.
ومنها: الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورِثِ لشهوتها بأنفع الأدوية، وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها.
وهذا كما أرشد المتحابَّين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه٥
(١) ف: "كان". س، ل: "قال: كان".
(٢) لم أجده في المطبوع. والذي فيه (٩٣): "سفيان عن معمر عن طاوس في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ قال: من أمر النساء". كذا في تفسيره. والصواب: "سفيان عن معمر عن ابن طاووس عن طاووس". هكذا أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ رقم ٥٥٣) والطبري (٥/ ٣٠) وغيرهما. فلعل أبا حذيفة راوي تفسير الثوري وهم فيه أو سقط من الناسخ. والذي ذكره المؤلف عن الثوري أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب (١١٧) وابن الجوزي في ذم الهوى (١٦٤)، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه مسلم في النكاح، باب ندب من رأى امرأة … (١٤٠٣).
(٤) ف: "كما تقدّم، كقيام الطعام".
(٥) برقم (١٨٤٧). وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل (٢٢٥٢) والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٣٤) والطبراني (١١/ رقم ١١٠٠٩) وتمام في فوائده (الروض =