فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت١ أجيب إلا به٢.
فعشق النساء٣ ثلاثة أقسام:
عشق هو قربة وطاعة، وهو عشق الرجل امرأته وجاريته. وهذا العشق نافع فإنّه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، وأكفُّ للبصر والقلب عن التطلّع٤ إلى غير أهله. ولهذا يُحْمَد هذا العاشق عند الله وعند الناس.
وعشق هو مقتٌ من الله، وبعدٌ من رحمته، وهو أضرّ شيء على العبد في دينه ودنياه؛ وهو عشق المردان. فما ابتلي به٥ إلا من سقط من عين الله، وطرده عن بابه٦، وأبعد قلبَه عنه. وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبّة المردان.
(١) ف، ز: "لما كنت".
(٢) روى صاحب الأغاني عن الزبير بن بكار أن قول جامع لما بلغ سعيدًا قال: "كذَب والله ما سألني ولا أفتيته بما قال". ونقل القصة صاحب الظرف والظرفاء (١٦٠) عن ثعلب، وفيه: "ابن مرجانة الشاعر". وهو تحريف. وانظر الرد على مثل هذه الفتاوى المزعومة في روضة المحبين (٢٤٧،٢٢٧).
(٣) في حاشية س: "ظ فالعشق ثلاثة"، لأن القسم الثاني ليس من عشق النساء. وقد يكون الصواب في المتن: "فعشق الناس".
(٤) س: "إلى التطلع"، غلط.
(٥) ز: "به أحد".
(٦) ف، ل: "طُرِد". وفي ف: "من بابه".
وهذه المحبة هي١ التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، فما أُتُوا إلا من هذا العشق٢ قال تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ٧٢﴾[الحجر: ٧٢].
ودواء هذا الداء الدويّ: الاستعانة٣ بمقلّب القلوب، وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره، والتعوّض بحبّه وقربه، والتفكّر في الألم الذي يُعقِبه هذا العشقُ، واللذّةِ التي تفوته به؛ فيترتّب عليه فواتُ أعظم محبوب، وحصولُ أعظم مكروه. فإن أقدمت نفسُه على هذا وآثرتْه، فليكبّر عليها تكبيرَه على الجنازة، ولْيعلَمْ أنّ البلاء قد أحاط به!
والقسم الثالث من العشق: عشق مباح لا يُملَك، كعشق من وُصفت له امرأة جميلة، أو رآها فجأة من غير قصد، فأورثه ذلك عشقًا لها، ولم يُحدِث له ذلك العشق معصيةً؛ فهذا لا يُملَك ولا يعاقَب عليه. والأنفع له مدافعته، والاشتغال بما هو أنفع له. والواجب على هذا أن يكتم، ويعفّ، ويصبر على بلواه. فيثيبه الله على ذلك، ويعوّضه على صبره لله، وعفّته، وتركِه طاعة هواه، وإيثارِ مرضاة الله وما عنده.