الداء والدواء

يرجع في هذا الشأن. وما صحّحه، بل ولا حسّنه أحد يُعوَّل في علم الحديث عليه، ويُرجَع في التصحيح١ إليه؛ ولا مَن عادتُه التساهل والتسامح، فإنّه لم يُطنِّف٢ نفسَه له. ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف، ويروي منها الغثّ والسمين والمنخنقة والموقوذة قد أنكره، وحكم ببطلانه٣.

نعم، ابن عبّاس غير مستنكَر ذلك عنه. وقد ذكر أبو محمَّد بن حزم عنه أنَّه سئل عن الميت عشقًا، فقال: قتيل الهوى، لا عقل ولا قود!٤ ورُفِع إليه بعرفات شابّ قد صار٥ كالفرخ، فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق. فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق٦. فهذا نفَس من قال: من عشِق وعفَّ وكتَم ومات، فهو شهيد.

ومما يوضح ذلك أنّ النبي ﷺ عدّ الشهداء في الصحيح، فذكر المقتول في الجهاد، والمبطون، والحرِق، والنفَساء يقتلها ولدها، والغرِق، وصاحب ذات الجنب٧، ولم يعُدّ منهم العاشق يقتله العشق.

  1. (١) ف، ل: "الصحيح"، تحريف.
  2. (٢) ل: "يطيف"، تصحيف. طنّفه بالأمر: اتهمه به. وطنّف للأمر: قارفه. وطنّف نفسه إلى الشيء: أدناها إلى الطمع فيه. ولعل المقصود أن المتساهل أيضًا لم يدفع نفسه إلى تصحيح الحديث.
  3. (٣) وذكره في تذكرة الموضوعات (٩١) كما سبق.
  4. (٤) طوق الحمامة (٦). وقد سقط من س "لا عقل".
  5. (٥) ز: "صار" دون "قد".
  6. (٦) سبق تخريجه (٤٩٨).
  7. (٧) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت (٥٥٥) من حديث جابر بن عتيك. قال النووي: "وهذا الحديث الذي =
572

وحسب قتيل العشق أن يصحّ١ له هذا الأثر عن ابن عباس٢ على أنّه لا يدخل تحته حتّى يصبر لله، ويعفّ لله، ويكتم لله. وهذا لا يكون إلا مع قدرته على معشوقه، وإيثار محبة الله وخوفه ورضاه.

وهذا من أحقّ من دخل تحت قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ٤٠ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ٤١﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] وتحت قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ٤٦﴾ [الرحمن: ٤٦].

فنسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يجعلنا ممن آثر حبّه على هواه، وابتغى بذلك قربه ورضاه٣.

  1. = رواه مالك صحيح بلا خلاف، وإن كان البخاري ومسلم لم يخرجاه". شرح النووي (١٣/ ٦٦).
  2. (١) س: "صح".
  3. (٢) ولكن المؤلف ﵀ قال نفسه -كما تقدم- في زاد المعاد (٤/ ٢٧٧): "وفي صحته موقوفًا على ابن عباس نظر".
  4. (٣) بعده في س: "آمين آخر الكتاب … ". وفي ف: "تم الكتاب والحمد لله ربِّ العالمين … " وفي ز: "تم الكتاب بحمد الله وحسبنا الله ونعم الوكيل". وفي ل: "بمنّه وكرمه إنه جواد كريم" ثم بعد بياض كتب: "تم الكتاب … ". وكذا في خا.
573

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي