الداء والدواء

في سفر، فأصاب رجلًا منا حجر، فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه١، فقال٢: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فقال: "قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا! فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصِر -أو يعصِب- على جرحه خرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده".

فأخبر أنّ الجهل داء، وأنّ شفاءه السؤال.

وقد أخبر سبحانه عن القرآن أنه شفاء٣، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا

فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].

وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، و"من" ههنا لبيان الجنس لا للتبعيض٤، فإن القرآن كله شفاء، كما قال في الآية الأخرى٥. فهو شفاء للقلوب من داء الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع٦ في إزالة الداء من القرآن.

  1. (١) ف: "الصحابة".
  2. (٢) "فقال" ساقط من س.
  3. (٣) ل: "أن القرآن شفاء". وقد أشير إلى هذه النسخة في حاشية س.
  4. (٤) ل: "ها هنا الجنس لا التبعيض".
  5. (٥) يعني الآية السابقة. وفي النسخ المطبوعة: "المتقدمة" مكان "الأخرى".
  6. (٦) س: "أبلغ".
6

وقد ثبت في الصحيحين١ من حديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ٢ في سَفْرة سافروها حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يُضَيّفوهم٣. فلُدِغَ سيّدُ ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهطَ الذين نزلوا، لعلّه أن يكون عند بعضهم شيء٤. فأتوهم، فقالوا: أيها الرهط إن سيّدنا لُدِغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم٥، والله إنّي لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تُضَيّفونا، فما أنا براقٍ حتى تجعلوا لنا جُعْلًا.

فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يتفُل عليه، ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢﴾ [الفاتحة: ٢]. فكأنما نُشِطَ من عِقال، فانطلق يمشي، وما به قَلَبة٦. فأوفَوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسِموا، فقال الذي رقَى: لا نفعل حتى نأتي النبي ﷺ٧، فنذكر له الذي كان، فننظر بما يأمرنا. فقدِموا على رسول الله ﷺ فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريك أنها رقية؟ " ثم قال: "قد أصَبتُم، اقتسِمُوا واضرِبوا لي معكم سهمًا".

  1. (١) أخرجه البخاري في الإجارة، باب ما يعطي في الرقية … (٢٢٧٦) وغيره، ومسلم في السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (٢٢٠١).
  2. (٢) ف: "رسول الله ﷺ".
  3. (٣) س: "فلم يضيفوهم"، وأشير في الحاشية إلى ما أثبتناه من غيرها.
  4. (٤) ل: "عندهم بعض شيء".
  5. (٥) سقط "نعم" من ز.
  6. (٦) القلبة: الألم والعلّة. انظر النهاية (٤/ ٩٨).
  7. (٧) ل: "رسول الله ﷺ".
7

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي