فقد أثّر هذا الدواءُ في هذا١ الداء، وأزاله حتى كأنْ لم يكن. وهو أسهل دواء وأيسره. ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفاء.
ومكثتُ بمكة مدّةً تعتريني٢ أدواء، ولا أجد طبيبًا ولا دواء، فكنتُ أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا٣. فكنت أصف ذلك لمن يشتكي٤ ألمًا، وكان٥ كثير منهم يبرأ سريعًا٦.
ولكن ههنا أمر ينبغي التفطّن له، وهو أن الأذكار والآيات والأدعية التي يستشفى بها ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحلّ، وقوة همة الفاعل وتأثيره. فمتى تخلّف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإنّ عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع٧ قوي يمنع من اقتضائه أثره. فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول
(١) "هذا" ساقط من ف.
(٢) ف، ز: "يعتريني".
(٣) "أعالج … تاثيرًا" تكرر في س. وسقط "لا دواء فكنت … عجيبًا" من ز، واستدرك بخط مغاير في الحاشية.
(٤) ز: "اشتكى".
(٥) ف: "فكان".
(٦) وانظر كلام المؤلف في تأثير سورة الفاتحة في زاد المعاد (٤/ ١٧٦ - ١٧٨)، وهناك أيضًا حكى عن نفسه أنه كان يتعالج في مكة بسورة الفاتحة. وانظر: مدارج السالكين (١/ ٥٧ - ٥٨).
(٧) ل: "المانع".
تام١، وكان للراقي نفس فعالة وهمة مؤثرة، أثّر في إزالة الداء٢.
وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره٣، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام، والظلم، ورَين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو٤ واللهو وغلبتها عليها٥.
كما في صحيح الحاكم٦ من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يقبل دعاءً مِن قلبٍ
(١) ف: "بالقبول التام".
(٢) س: "أثرت وأزالت الداء"، وأشير في الحاشية إلى ما أثبتنا من غيرها.
(٣) ف: "ولكن يتخلف أثره عنه".
(٤) س: "الشهوة"، ولم يرد فيها ما بعد هذه الكلمة.
(٥) كذا في ف، ز. وفي ل: "الغفلة والسهو والذنوب".
(٦) كذا سمّى المؤلف مستدرك الحاكم بالصحيح، وسيأتي مرارًا، وكذا يسفيه شيخه، نظرًا إلى شرط المصنف لا توثيقًا لتصحيحه. ويدلّ على ذلك قوله في الفروسية (١٨٥ - ١٨٦): "ولا يعبأ الحفاظ أطباء علل الحديث بتصحيح الحاكم شيئًا، ولا يرفعون به رأسًا البتة، بل لا يدل تصحيحه على حسن الحديث، بل يصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث … ". وقال شيخ الإِسلام: " … وروى ذلك الحاكم في صحيحه، لكن هذا ضعيف، وللحاكم مثل هذا، يروي أحاديث موضوعة في صحيحه" (رسالة في قنوت الأشياء - جامع الرسائل ١/ ١٢).