وفي مسند أحمد١ من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: يا رسول الله، كيف يستعجل؟ قال: "يقول: قد٢ دعوتُ ربّي، فلم يَستجِبْ لي".
فصل
وإذا جمع الدعاءُ حضورَ القلب وجمعيتَه بكلّيته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير٣ من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإِمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم٤؛ وصادف خشوعًا في القلب، وانكسارًا بين يدي الربّ، وذلاًّ له، وتضرّعًا ورِقّةً؛ واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمَّد عبده ورسوله ﷺ، ثم قدّم بين يدي
(١) ٣/ ١٩٣ (١٣٠٠٨، ١٣١٩٨). وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٨٦٥) والطبراني في الدعاء (٨١) وابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٤) وغيرهم، من طريق أبي هلال الراسبي عن قتادة عن أنس به فذكره. قلت: أبو هلال اسمه محمَّد بن سليم. في حفظه مقال، ويخالف أو يتفرد عن قتادة ولهذا قال ابن عدي بعد ما ساق لأبي هلال أحاديث: "وهذه الأحاديث لأبي هلال عن قتادة عن أنس كل ذلك أو عامتها غير محفوظة". وقد روي من وجهين عن أنس، ولا يثبت. انظر مسند البزار (٦٦٦٦) والحلية (٦/ ٣٠٩).
(٢) لم يرد "قد" في "ف" وكذا في المسند (٢٠/ ٣١١). وفيه (٢٠/ ٤٢٢) كما أثبتنا من النسخ الأخرى.
(٣) س: "الآخر".
(٤) "اليوم" ساقط من س.
حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله، وألحّ عليه١ في المسألة، وتملّقه، ودعاه رغبة ورهبة٢، وتوسّل إليه بأسمائه٣ وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة = فإنّ هذا الدعاء لا يكاد يُرَدّ أبدًا، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي ﷺ أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم: فمنها ما في السنن وصحيح ابن حبان من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أنّ رسول الله- ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. فقال: "لقد سأل الله بالاسم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب"٤.
(١) ف: "به عليه".
(٢) زاد في س: "وتملقه مكرر".
(٣) في ز: "الحسنى" فوق السطر.
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٩٣، ١٤٩٤) والترمذي (٣٤٧٥) وابن ماجه (٣٨٥٧) وابن حبان (٨٩٢) وأحمد ٥/ ٣٥٠ (٢٢٩٦٥، ٢٢٩٥٢) من طريق مالك بن مغول عن ابن بريدة عن أبيه، فذكره. وفيه قصة. ورواه عبد الوارث عن حسين بن ذكوان المعلم عن عبد الله بن بريدة عن حنظلة بن علي أن محجن بن الأدرع حدثه أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فإذا هو برجل قد قضى صلاته وهو يتشهد، وهو يقول: اللهم إني أسألك بالله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم. قال: فقال نبي الله ﷺ: "قد غفر له، قد غفر له، قد غفر له، ثلاث مرات. أخرجه أحمد ٤/ ٣٣٨ (١٨٩٧٤) وابن خزيمة (٧٢٤) والحاكم ١/ ٤٠٠ (٩٨٥) وغيرهم. قال أبو حاتم الرازي بعد ذكر الطريقين: "وحديث عبد الوارث أشبه". قلت: حديث عبد الوارث صححه ابن خزيمة والحاكم. انظر علل ابن أبي حاتم ٢/ ١٩٧ - ١٩٨ (٢٠٨٢).