الداء والدواء

فيه! وهؤلاء -مع فرط جهلهم وضلالهم- متناقضون، فإنّ طردَ مذهبهم يُوجِب تعطيلَ جميع الأسباب.

فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والريّ قد قُدِّرا لك فلابد١ من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل. وإن لم يقدّرا لم يقعا، أكلتَ أو لم تأكل.

وإن كان الولد قدّر لك فلابد منه، وطئتَ الزوجة والأمة٢ أو لي تَطأ. وإن لم يقدّر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوّج والتسرّي. وهلمّ جرّا.

فهل يقول هذا عاقل أوآدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلا.

وتكايس بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما. ولا فرق عند هذا٣ الكيّس بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب، وارتباطُ الدعاء عندهم به كارتباط السكوت، ولا فرق.

وقالت طائفة أخرى أكيَسُ من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارةً على قضاء الحاجة. فمتى وُفّق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أنّ حاجته قد قُضيت. وهذا كما إذا رأينا غيمًا

  1. (١) س: ل "فلا فائدة"، تحريف.
  2. (٢) س: "أو الأمة".
  3. (٣) "هذا" ساقط من س.
27

أسودَ باردًا في زمن الشتاء، فإنّ ذلك دليل وعلامة على أنّه يمطر.

قالوا١: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنّها أسباب له.

وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحريق٢ مع الإحراق، والإزهاق مع القتل. ليس شيء من ذلك سببًا ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي٣.

وخالفوا بذلك الحس، والعقل، والشرع، والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء٤!

والصواب أنّ ههنا قسمًا ثالثًا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور٥ قُدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء. فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه. فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور٦، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قُدر الشبع والريّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه٧. وكذلك قُدر دخول الجنة بالأعمال،

  1. (١) "قالوا" ساقط من س.
  2. (٢) س: "الحرق".
  3. (٣) انظر: طريق الهجرتين (١٩٦، ٢٠٦) وشفاء العليل (١٨٨).
  4. (٤) "بل … العقلاء" ساقط من ز.
  5. (٥) ز: "المقدر".
  6. (٦) س: "المقدر".
  7. (٧) ز: "بالذبح".
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي