أسودَ باردًا في زمن الشتاء، فإنّ ذلك دليل وعلامة على أنّه يمطر.
قالوا١: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنّها أسباب له.
وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحريق٢ مع الإحراق، والإزهاق مع القتل. ليس شيء من ذلك سببًا ألبتة، ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي، لا التأثير السببي٣.
وخالفوا بذلك الحس، والعقل، والشرع، والفطرة، وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء٤!
والصواب أنّ ههنا قسمًا ثالثًا غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور٥ قُدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء. فلم يقدر مجردًا عن سببه، ولكن قدر بسببه. فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور٦، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور. وهذا كما قُدر الشبع والريّ بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه٧. وكذلك قُدر دخول الجنة بالأعمال،
(١) "قالوا" ساقط من س.
(٢) س: "الحرق".
(٣) انظر: طريق الهجرتين (١٩٦، ٢٠٦) وشفاء العليل (١٨٨).
(٤) "بل … العقلاء" ساقط من ز.
(٥) ز: "المقدر".
(٦) س: "المقدر".
(٧) ز: "بالذبح".
ودخول النار بالأعمال١.
وهذا القسم هو الحق، وهو الذي حُرِمَه السائل ولم يوفَّق له.
وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب. فإذا قُدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال! وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب.
ولما كان الصحابة ﵃ أعلمَ الأمةِ بالله ورسوله، وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم. وكان عمر بن الخطاب٢﵁ يستنصر به على عدوه، وكان٣ أعظم جنديه٤، وكان يقول للصحابة٥: لستم تُنصَرون بكثرة، وإنما تُنصَرون من السماء٦.
وكان يقول: إنِّي لا أحمل همَّ الإجابة، ولكن همَّ الدعاء. فإذا أُلهِمتُ الدعاءَ فإنّ الإجابة معه٧.
وأخذ الشاعر هذا، فنظمه، فقال:
(١) سقط "ودخول النار بالأعمال" من ز، فكتب بعضهم فوق السطر: "الصالحة".
(٢) "بن الخطاب" من س، ز.
(٣) ل: "فكان".
(٤) ف: "جنده".
(٥) ف: "لأصحابه".
(٦) لم أقف عليه.
(٧) ذكره المصنف في المدارج (٣/ ١٠٣) والفوائد (٩٧)، وشيخ الإِسلام في الفتاوى (٨/ ١٩٣) والاقتضاء (٢/ ٢٢٩).