قلتُ: هذا تعليم منه للفروسية، وتمرينُ البدن على التبذُّل وعدم الرَّفاهية والتنعُّم، ولزوم زِيِّ وَلَد إسماعيل بن إبراهيم، فأمرهم بالأتزار، والارتداء، والانتعال، وإلقاء الخفاف؛ لتعتاد الأرجل الحرَّ والبَرْد، فتتصلَّب وتقوى على دفع أذاهما.
وقوله: "وألقوا السَّراويلات": استغناء عنها بالأُزُر، وهو زِيُّ العرب.
وبين منفعتي الإزار والسَّراويلات تفاوت من وجه: فهذا أنفع من وجه، وهذا أنفع من وجه، فالإزار أنفع في الحرِّ٢، والسَّروايل أنفع في البرد، والسَّراويل أنفع للرَّاكب، والإزار أنفع للماشي.
وقوله: "وعليكم بثياب أبيكم إسماعيل": هذا يدلُّ على أن لباسَه كان الأزر٣ والأردية.
وقوله: "وإيَّاكم والتنعُّم وزيِّ العجم": فإن التنعُّم يُخَنِّث النفس، ويكسبها الأنوثة والكسل، ويَخُوْن صاحبه أحوج ما يكون إلى نفسه، وما آثَرَه مَن أفلحَ.
وأما "زي العجم"؛ فلأنَّ٤ المشابهة في الزِّيِّ الظاهر تدعو إلى
(١) في الجعديات (وارموا).
(٢) في (مط) (البحر).
(٣) في (ظ) (الإزار).
(٤) في (مط) (فالمشابهة)، وفي (ح) (فإنّ المشابهة).
الموافقة في الهَدْي الباطن، كما دلَّ عليه الشرع والعقل والحس١، ولهذا جاءت الشريعة بالمنع من التشبُّه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقصٍ.
حتى نهى في الصلاة٢ عن التشبُّه بستة٣ أنواع من الحيوان يفعلها - أو كثيرًا منها - الجُهَّال، نهى عن: نقر كنقر الديك والغراب٤، - وهي الصلاة التُرْكيَّة -، والتفاتٍ كالتفاتِ الثعلب، وإقعاءٍ كإقعاءِ الكلب، وافتراشٍ كافتراشِ السَّبع، وبروك كبروك الجمل، ورفع الأيدي يمينًا وشمالًا عند السلام كأذنابِ الخيل.
ونهى عن التشبُّه بالشياطين في الأكل والشرب بالشمال، وفي سائر خصال الشيطان.
ونهى عن التشبه بالكفار في زِيِّهم٥، وفي كلامهم وهديهم، حتى نَهَى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح؛ فإن الكفار يسجدون للشمس في هذين الوقتين.
ونهى عن التشبُّه بالأعراب، وهم أهل الجفاء والبدو، فقال: "لا تغلِبَنَّكُمُ الأعرابُ على اسم صلاتِكم العتمة، وإنها العشاء في كتاب الله