البُعْد، وقد عُلِم بالتجرِبة أن الرامي الواحد إذا كان جيِّد الرمي؛ فإنَّه يأخذ الفئة من الناس الذين لا رامي معهم، ويطردهم جميعًا، ولهذا عند أرباب الحروب١ إن كل سهم مقام رجل، فإذا كان مع الرجل الرامي٢ مئة سهمٍ، عُدَّ بمئة رجل، والخصم يخاف من النشاب أضعاف خوفه من السيف والرمح، وإذا كان راجل واحد رام؛ أمكنه أن يأخذ مئة فارس لا رامي فيهم ويغلبهم، ومئة فارس لا يغلبون راميًا واحدًا، ولهذا ألقى الله تعالى من الرعب لصاحب الرمي عند خشخشة النشاب والجعبة ما لم يلقه لصاحب السيف والرمح، وهذا معلومٌ بالمشاهدة، حتى إن الألف ليفزعون من رامٍ واحد، ولا يكادون يفزعون من ضارب سيفٍ واحد، فصوت الرامي المجيد٣ في الجيش خير من فئة، كما قال النبي ﷺ: "صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة"٤.
(١) في (ظ، ح) (الحرب).
(٢) ليس في (مط).
(٣) في (ظ) (الجيد).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ١١١ و١١٢ و٢٦١) والحميدي في مسنده (٢/ رقم ١٢٠٢) مطولًا وأبو يعلى في مسنده (٧/ رقم ٣٩٨٣) والقراب في فضل الرمي رقم (٣٢ - ٣٤) وغيرهم. من طرق عن ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن أنس بن مالك فذكره، وقال بعضهم (مئة) بدلًا من (فئة). ورواه حماد بن سلمه لكنه اضطرب فيه، فرواه عفان عنه به مثله (لكن قال أظنه عن أنس). * ورواه يزيد بن هارون واختلف عنه. فرواه عن حماد عن ثابت عن أنس =
وكان أبو طلحة من أحسن الصحابة رميًا، وأشدِّهم نزعًا، وفي "الصحيح"١ أنه: "لما كان يوم أُحُد، انهزم أُناسٌ من٢ الناس عن رسول الله ﷺ، وأبو طلحة بين يدي رسول الله ﷺ مُجوِّب عليه بحَجَفة٣ معه، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا شديد النَّزع، وكَسَرَ يومئذٍ قوسين أو ثلاثًا، وكان الرجل يَمُرُّ بالجَعْبَة فيها النَّبْل٤، فيقول:
= بلفظ (لصوت أبي طلحة أشد على المشركين من فئة) هكذا رواه عنه أحمد بن حنبل (٣/ ٢٤٩) رقم (١٣٦٠٤) وابن أبي شيبة عند عبد بن حميد في مسنده رقم (١٣٨٢). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥١٧) رقم (٣٣٤١٢) عن يزيد عن حمَّاد عن علي بن زيد عن أنس فذكره. وهذا يدل على أن حماد بن سلمة كان يضطرب فيه، مع أنه من أثبت الناس في علي بن زيد وثابت البناني، وعليه فطريق ثابت غير محفوظ. ورواه الثوري عن ابن عقيل عن جابر أو عن أنس فذكره. قلت: هذه الرواية غير محفوظة، والصواب أنه من حديث علي بن زيد عن أنس. وعليه فالحديث ضعيف الإسناد، لتفرد ابن جدعان به وهو لين الحديث والله أعلم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٨٣٧)، ومسلم في صحيحه رقم (١٨١١).
(٢) في (مط) (انهزم الناس) وفي (ح) (ناس من الناس)، والمثبت من (ظ) وصحيح مسلم.
(٣) في (ح، ظ) (يجوَّب عنه)، والمثبت من (مط) وصحيح مسلم، لكن ليس فيه (معه). وقوله (بحجفة): أي بترس. انظر النهاية (١/ ٣٤٥).