فالشجاع الخبير: الذي لا يطعن في موضع١ التبطيل، ولا يبطل في موضع الطعن، بل يعطي كل حالٍ ما يليق به، ويعرف حكم ملازقة القِرْن ومفارقته، ومخارجته٢ ومضايقته، وهزله وجدّه، وأخذه ورده، وطلوعه ونزوله، وكرّه وفرّه، ويعطي كل حال من هذه الأحوال كُفْأها وما يليق بها، ويكون عارفًا بالدخول، ومواضع الطعن والضرب، والإقدام والإحجام، واستعمال الطعن الكاذب في موضعه والصادق في موضعه، والاستدارة عند المجاولة يمينًا وشمالًا، وإعمال الفكر٣ حال دخول القِرْن على قِرْنه: في الخروج منه والدخول عليه، فلا يشغله أحدهما عن الآخر.
ولما كان الجِلاد بالسيف والسنان٤ والجدال بالحجة والبرهان كالأخوين الشقيقين والقرينين المتصاحبين = كانت أحكام كل واحد٥ منهما شبيهة بأحكام الآخر، ومستفادة منه.
فالإصابة في الرَّمي والنِّضَال، كالإصابة في الحُجَّة والمَقَال، والطعن والتبطيل نظير إقامة الحجة وإبطال حجة الخصم، والدخول والخروج نظير الإيراد والاحتراز منه، وجواب الخصم والقِرْن٦ عند
(١) في (مط) (موطن).
(٢) وقع في (ظ) (حكم ملازمه وملازقته، ومفارقته، ومخارجته).
(٣) في (ح، مط) (وإعمال الكف).
(٤) ليس في (ح).
(٥) من (ظ).
(٦) في (مط) (الخصم، الخروج نظير الإيراد والاحتراز، وجواب القرن)، وسقط من (ح) (الخصم و).
دخوله عليك، كجواب الخصم عمَّا يُوْرده عليك.
فالفروسية فروسيَّتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطِّعان١.
ولمَّا كان أصحاب النبي ﷺ أكمل الخلق في الفروسيَّتين، فتحوا القلوب بالحجَّة والبُرْهان، والبلاد بالسيف والسِّنان٢.
وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ومن عداهما؛ فإن لم يكن رِدءًا وعونًا لهما، فهو كَلٌّ على نوع الإنسان.
وقد أمر الله ﷾ رسوله ﷺ بجدال الكفار والمنافقين، وجِلاد أعدائه المشاقِّين والمحاربين، فعُلِم أن الجِلَاد والجِدَال من أهم العَلوم وأنفعها٣ للعباد، في المعاش والمعاد، ولا يَعْدِلُ مِداد العلماء إلا دمُ الشهداء، والرفعة وعلو المرتبة٤ في الدَّارين إنما هي لهاتين الطائفتين، وسائر الناس رعيةٌ لهما، منقادون لرؤسائهما *.
فصلٌ
فإن قيل: فإذا كان شأن الرمح ما٥ ذكرتم؛ فهلَّا جوَّزتم الرهان على الغلبة به كما جوّزتموها في النِّضال وسباق الخيل؟
(١) في (ح، مط) (الرمي والطعن)، وفي (ظ) (الرمي أُهل الضرب).