فالفروسية فروسيَّتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطِّعان١.
ولمَّا كان أصحاب النبي ﷺ أكمل الخلق في الفروسيَّتين، فتحوا القلوب بالحجَّة والبُرْهان، والبلاد بالسيف والسِّنان٢.
وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ومن عداهما؛ فإن لم يكن رِدءًا وعونًا لهما، فهو كَلٌّ على نوع الإنسان.
وقد أمر الله ﷾ رسوله ﷺ بجدال الكفار والمنافقين، وجِلاد أعدائه المشاقِّين والمحاربين، فعُلِم أن الجِلَاد والجِدَال من أهم العَلوم وأنفعها٣ للعباد، في المعاش والمعاد، ولا يَعْدِلُ مِداد العلماء إلا دمُ الشهداء، والرفعة وعلو المرتبة٤ في الدَّارين إنما هي لهاتين الطائفتين، وسائر الناس رعيةٌ لهما، منقادون لرؤسائهما *.
فصلٌ
فإن قيل: فإذا كان شأن الرمح ما٥ ذكرتم؛ فهلَّا جوَّزتم الرهان على الغلبة به كما جوّزتموها في النِّضال وسباق الخيل؟
(١) في (ح، مط) (الرمي والطعن)، وفي (ظ) (الرمي أُهل الضرب).
(٢) في (ظ) (والسنان أهمل القوتين).
(٣) جاء على هامش (ظ) تصحيح لها (وأنفسها).
(٤) في (ح، مط) (المنزلة).
(٥) في (ظ) (فيما).
قيل: اختلف الفقهاء في ذلك، فمنعه أصحاب أحمد، ومالك١، وللشافعية في المزاريق وجهان٢.
* قال من جوَّز الرهان عليها: هي داخلةٌ في اسم النَّصل٣.
* وقال المانِعون: المُراد بالنَّصْل ما يتبادر إليه الأفهام، وما قد جرت عادة الناس بالتَّراهن عليه من عهد الصحابة وإلى الآن، وهو السهام خاصة٤.
ولا ريب أن من جَوَّز الرهان على العَدْوِ بالأقدام والصراع؛ فتجويزه له في المغالبة بالرماح أولى وأحرى.
فصلٌ
وأما ركوبه الفرس عُريانًا، وتقلده بالسيف:
ففي "الصحيحين"٥ من حديث ثابت عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فَزِع أهل
(١) انظر لمذهب أحمد: المغني (١٣/ ٤٠٦ و٤٠٧)، والفروع (٤/ ٤٦١). ولمذهب مالك انظر: المعونة (٣/ ١٧٣٧)، والخرشي (٣/ ١٥٤).
(٢) انظر: الحاوي الكبير (١٥/ ١٨٤). والمزاريق: هي رماح قصار. انظر نهاية المحتاج (٨/ ١٦٥)، وفي تاج العروس (١٣/ ١٩٢): (الزَّرَّاقة: الرمح أقصر من المِزْراق).
(٣) صحح ناسخ (ظ) في الحاشية أنها (النصال).
(٤) انظر تكملة المجموع (١٥/ ١٣٩).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٥٦٨٦ و٢٧٥١) ومسلم رقم (٢٣٠٧) واللفظ مدمج من مجموع الروايات.