* قالوا: وبهذا التقسيم، تتبيّن١ حكمة الشرع في إدخاله السَّبَقَ في الخُفِّ والحافر والنصل، ومنعه فيما عداها، وتبيّن٢ به أن الدخيل لا مصلحة فيه للمتسابقين ألبتة.
* قالوا: وأيضًا، فالشرع مبناه على العدل؛ فإن الله تعالى أرسل رسله، وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وقد حرَّم الله سبحانه الظلم على نفسه، وجعله محرَّمًا بين عباده، والعقود كلُّها مبناها على العدل بين المتعاقدين: عقود المعاوضات والمشاركات، جائزها ولازمها، وإذا كان مبنى العقود٣ على العدل من الجانبين، فكيف يوجب في عقد من العقود أن يبذل أحد٤ المتعاقدين وحده دون الآخر، وكلاهما في العمل والرغبة سواء، وكل واحد٥ منهما راغب في السبق والكسب، فما الذي جوَّز البذل لأحدهما دون الآخر؟!
* قالوا: وأيضًا، فالمحلِّل كأحدهم في العمل والرغبة، فما الذي أوجب عليهما بذل ماليهما إن سبقهما، وحرَّم عليه وعليهما أن يبذل٦ ماله لهما إن سبقاه، مع تساويهم في العمل من كل وجه، فأي قياسٍ،
(١) في (مط) (ثبتت)، وفي (ح) (ثبت).
(٢) في (مط) (وتأثيره أن الدخيل)، وفي (ح) غير منقوطة.
(٣) في (ح، مط) (العقد).
(٤) من قوله (من الجانبين) إلى (أحد) سقط من (مط، ح).
(٥) سقط من (مط، ح).
(٦) في (مط) (ح) (بذل) بدلًا من (أن يبذل).
أو أي نظرٍ، وأيّةُ حكمةٍ، وأية١ مصلحةٍ توجب ذلك؟!
* قالوا: بل دخول المحلِّل بينهما يضرُّهما ولا ينفعهما، فهو لم يزدهما إلا ضررًا؛ فإنه إن سبقهما أكل مالهما، وإن سبقاه لم يأكلا منه شيئًا، وأما إذا لم يُدْخِلاه، فأيهما٢ سبق صاحبه أخذ ماله، وإن لم يسبق أحدهما الآخر أحرزَ كلُّ واحد منهما مال نفسه، وهذا أعدل؛ لأن الغالب يأخذ بعمله، والمغلوب يغرم؛ لأنه بذل المال لمن يغلبه، وأما المحلِّل، فإنه إن كان غالِبًا غَنِم، وإن كان مغلوبًا سَلِم، وصاحب المال إن كان مغلوبًا غَرِم.
* قالوا: فمقتضى القياس فساد العقد بالمحلِّل.
* قالوا: وأيضًا، فالمحلِّل عندكم على خلاف القياس، وإنما احتملتموه للضَّرورة، حتى قال أبو الحسن الآمدي٣: "لا يجوز أكثر من محلِّل واحد، ولو كانوا مئة".
* قالوا: لأن الحاجة اندفعت به، ولو كان هذا المحلِّل مقصودًا، وللعقد به مصلحة، لم يكن على خلاف القياس، وكان كأحد الحزبين.
* قالوا: ومن المعلوم أن المحلِّل غير مقصود بالعقد، وإنما المقصود صاحباه، فأنتم جعلتُم المحلِّل الذي لم يُقْصَد بهذا٤ العقد
(١) في (مط) (أو أي حكمه أو اي ..).
(٢) في (مط) (ح)، (فإنه أيهما).
(٣) انظر الفروع (٤/ ٤٦٥)، والإنصاف مع الشرح الكبير (١٥/ ٢٣).