أحسن حالًا من صاحبيه المقصودَيْن بالعقد، وهل هذا١ الأمر إلا بالعكس أولى، فإن رعاية جانب الباذِلَيْن المقصودَيْن بالعقد أحقُّ من رعاية جانب هذا المحلِّل الذي هو غير مقصود ولا باذل، فالمحلِّل له منفعة على تقديرين، وسلامة على تقدير، وأما الآخران، فلكلٍّ منهما منفعة على تقدير، ومضرَّة على تقدير، فهو أحسن حالًا منهما، فيلحق بهما من٢ المضرة وقلة الانتفاع ودخول ثالث يأكل٣ مالهما؛ ما لم يحصل للمحلِّل الذي هو دخيل غير مقصود، فخصَّصتُم بالمضرة المقصود الذي حضَّه النبيُّ ﷺ على الركوب والرمي، وخصصتُم بزوالها وزيادة النفع هذا العارية الذي هو غير مقصود.
قالوا: وهذا يتضمن أمرين:
أحدهما: خروج هذا العقد عن الإنصاف الذي هو مدار العقود، فكيف يَشْرَع الشارع الحكيم في العقود ما يكون منافيًا للعدل، ويحرِّم ما يكون موجبَ العدل ومقتضاه؟!
الثاني: أن يجعل الراغب في العمل المحبوب لله ولرسوله، المريد للرمي والركوب، ليستعين به على الجهاد = أسوأ٤ حالًا من هذا الدَّخيل الذي لم يبذل شيئًا، إنما دخل عاريَّةً، فجعلتموه مراعىً
(١) من (ظ).
(٢) ليس في (مط).
(٣) في (ح) (باذل) وهو خطأ. وجاء في (مط) (من دخول ثالث غير باذل، فيحصل للباذلين مالهما من الضرر ما لم يحصل للمحلل).
(٤) في (ح، مط) (أشد).
جانبه، منظورًا في مصلحته، معرَّضًا للكسب، مصانَ الجانب من الخسران، وليس صاحباه بهذه المنزلة١.
* قالوا: ومن تأمل مقاصد الشرع، وما اشتمل عليه من الحكم والمصالح، عَلِمَ أنَّ الأمر بالعكس أولى.
* قالوا: وأيضًا، فالعاقل لا يبذل الجُعل إلا لعمل هو٢ مقصودٌ له، لا يبذله فيما هو مكروهٌ إليه، فيبذله لنفعٍ هو يعود عليه، كخياطة ثوبه، وبناء داره، وردِّ عبده. أو نفع غيره، كفداء أسير، أو عتق عبد، أو خلع امرأة، فهذان غرضان مطلوبان، فإذا بذل أجنبيٌّ السَّبَق لمن سبق؛ كان قد بذل ماله لغرض مقصود له، وهو٣ الإعانة على القوة في سبيل الله، فإذا بذله أحد المتسابقين، جاز لهذا المقصود، فكيف يُقال: يجوز أن يبذل الجُعل بشرط أن يكون مسبوقًا مغلوبًا، وأنه إن كان سابقًا لا يحصل له شيء، ولا يجوز أن يبذله إذا كان مسبوقًا، وإن كان سابقًا حصل له شيء؟!
بيان ذلك أنه إذا كان المُخْرِجُ أحدهما،، كان مقتضى العدل٤ من الباذل أنه لا يجوز له بذله إلا بشرطين: