الفروسية

الثاني: أنه لا يأخذ شيئًا إذا كان غالبًا.

وإذا أخرجا معًا كان مقتضى العقل١ أنه يبذله إذا كان مغلوبًا، ويأخذ إذا كان غالبًا، فقد جوَّزتم بذل الجُعل في الحال الذي لا ينتفع بها الباذِل، ومنعتم بذله في الحال التي يرجو٢ فيها انتفاعه، فجوَّزتم بذله في عقد لا ينتفع به، ومنعتم بذله في عقد هو بصدد الانتفاع به، ومن المعلوم أن ما منعتموه أولى بالجواز مما جوَّزتموه، وأن ما شرطتموه للحل هو أولى أن يكون مانعًا من الحل أقرب٣.

* قالوا: وأيضًا، فإن كان أحدهما يأكل مال الآخر بالباطل إذا أخرجا معًا بدون المحلِّل؛ فأكل المحلِّل مالهما بالباطل أولى وأحرى.

بيانه: أن أحدهما إنما يأكل مال الآخر إذا كان غالبًا له، فيأكله بالجهة التي يأكل بها الآخر ماله بعينها، مع تساويهما في البذل، والغُنْم، والغُرْم، والعمل. وأما المحلل، فإنه يأكل مالهما إن سبقهما، ولا يأكلان له شيئًا إنْ سبقاه، فلا يأكل واحد منهما ماله٤ إذا كان مغلوبًا، ويأكل مالهما إذا كان غالبًا، فإن لم يكن هذا أكلًا للمال بالباطل، فالصورة التي منعتموها أولى أن لا تكون أكلًا بالباطل، وإن كانت تلك متضمنة للأكل بالباطل، فهذا أولى.

  1. (١) في (ح)، (مط) (العقد)، ولعل الأقرب (العدل).
  2. (٢) في (ح، مط) (يجوز).
  3. (٣) من (ظ).
  4. (٤) ليس في (مط).
108

وهذا مما لا جواب عنه.

* قالوا: وأيضًا، فإذا أخرجا معًا، كان كل منهما له مثل ما للآخر، وعليه مثل ما عليه، ورجاؤه وخوفه كرجاء الآخر وخوفه، وهذا هو العدل المحض، فهما كشريكي العِنَان١ والشريكين في المساقاة٢ والمزارعة٣ والمضاربة٤ ولهذا حرَّم الشارع أن يختصَّ أحدهما عن الآخر بزرعِ٥ بقعةٍ بِعَيْنِهَا، أو ثمرة شجرة بعينها، والمضارب لا يجوز أن يختصَّ بربح سلعة بعينها، بل يكونان سواء في المغنم والمغرم.

وإنما جُوِّز أن يكون البذل من أحدهما؛ لأنه يلتحق بالجِعَالة عندكم.

وهذه الجِعَالة العمل فيها مقصود وحينئذ فيقال: إذا أخرجا

  1. (١) شركة العنان هي: أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما، بأبدانهما، والربح بينهما.
    انظر المغني لابن قدامة (٧/ ١٢٣)، والمقنع مع الشرح الكبير (١٤/ ٩).
  2. (٢) المساقاة هي: أن يدفع إنسان شجره إلى آخر، ليقوم بسقيه وعمل سائر ما يحتاج إليه، بجزء معلوم له من الثمرة.
    انظر الشرح الكبير على المقنع (١٤/ ١٨١).
  3. (٣) المزارعة هي: دفع الأرض إلى مَنْ يزرعها، ويعمل عليها، والزرع بينهما.
    انظر المغني (٧/ ٥٥٥)، والمطلع للبعلي ص ٢٦٣.
  4. (٤) المضاربة هي: أن يدفع ماله لآخر يتَّجر فيه، والربح بينهما.
    انظر المقنع مع الشرح الكبير (١٤/ ٥٤).
  5. (٥) في (ظ) (زرع).
109

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي