أكله السبق على هذا الوجه أكلًا بحق؛ فأكلُ من يكون معطيًا آخذًا أحلُّ منه، فكيف يقال: إن من يأخذ ولا يعطي يستحق، ومن يأخذ ويعطي لا يستحق، مع استوائهما في العمل؟!
* قالوا: وأيضًا، فإذا أخرجا معًا، فأكل المال في هذه الصورة: إما أن يكون بحقٍّ أو بباطل. فإن كان بحقٍّ، فلا حاجة في جوازه إلى المحلِّل. وإن كان أكلًا بباطل، فدخول المحلِّل لا يجعله أكلًا بحق؛ فإن المحلِّل لم يُزِلِ السبب الذي كان أكل المال به١ بدونه باطلًا، كما تقدَّم.
* قالوا: وأيضًا، فإذا سبق المحلِّل مع أحدهما، فإما أن يقولوا: يختصُّ المحلل بسبق الآخر، أو يشترك هو والسابق.
والأول: ممتنع؛ لأنهما قد اشتركا في السبق، واستويا في العمل، فتخصيص المحلِّل بالسبق مع تساويهما في سببه ظلم.
وإن قلتم: يشتركان فيه، لزمكم المحذور التي فررتُم منه؛ لأن كل ما ذكرتُم فيما إذا لم يكن بينهما محلِّل؛ فهو ها هنا بعينه؛ لأن٢ الاثنين لما سبقا الثالث صارا بمنزلة الواحد الذي سبق الآخر، ولهذا اشتركا في سبقه، فإن لم يكن في هذا محذور؛ لم يكن في الصورة التي منعتموها محذورٌ، وإن كان في صورة المنع محذورٌ؛ فها هنا مثله ولا فرق. فإن كان عندكم فرق فأبدوه لنا، فإنا من وراء القبول له إن
(١) ليس في (ح).
(٢) من قوله (لأن كل) إلى (لأن) سقط من (ظ).
كان فرقًا مؤثِّرًا، ومن وراء الرد إن كان غير مؤثِّر.
* قالوا: وأيضًا، فكلما زادت المخاطرة بدخول المحلِّل في أقسام الغُنْم والغُرْم؛ زادت أيضًا بالنسبة إلى المتسابقَيْن؛ فإنهما إذا كانا اثنين فقط، فمخاطرة كل واحد منهما مع اثنين: مع قِرْنِهِ، ومع المستعار الدخيل، وقد كان قبل المحلِّل كل منهما بصدد الغُنْم إذا غلب واحدًا فقط، وبدخول المحلِّل لا يغنم حتى يغلب اثنين، ولا ريب أن المخاطرة كلما كانت أقل، كانت أولى بالجواز.
وكيف يكون العقد الذي زادت مخاطرته هو الحلال الجائز، والذي هو أقل مخاطرة منه وأقرب إلى تحصيل مقصود الشارع والمتراهِنَيْن = هو الحرام الممتنع؟!
هذا مما لا تأتي به الشريعة الكاملة.
* قالوا: وأيضًا، فحِلُّ المال يستدعي طيب نفس باذله به١؛ فإنه: "لا يحلُّ مال امرئ مسلم؛ إلا عن طيب نفس منه"٢،
(١) ليس في (مط).
(٢) يشير المؤلف إلى حديث عم أبي حُرة الرقاشي عند أحمد (٥/ ٧٢) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ رقم ٦١٧١) وأبي يعلى في المفاريد رقم (٨٢) والدارقطني في السنن (٣/ ٢٦) وغيرهم. وفي سنده علي بن زيد بن جُدْعان في حفظه ضَعْف وليْن. وقد وردت أحاديث بمعناه. ١ - منها حديث أبي حميد الساعدي بلفظ (لا يحل لامرئ أن يأخذ مال أخيه بغير حقه) لفظ أحمد. =