فإذا تعلَّم الناس أسبابه وتدرَّبوا فيها وتمرَّنوا عليها قبل لقاء العدو = ألفاهم ذلك عند اللقاء قادرين على عدوهم، مستعدِّين للقائه، وكل من المتسابقين والمتناضلين يريد أن يغلب صاحبه كما يريد المقاتل أن يغلب خصمه، فهو يتعلَّم غَلَبة صاحبه، ليتوصل١ إلى غلبة عدوه.
وهذا كجدل٢ المتناظرين في العلم؛ فإن أحدهما يورِد على صاحبه من الممانعات٣، والمعارضات، وأنواع الأسئلة ما يرد على الآخر جوابه، ليعرف الحق في المسألة، فإذا جادله مبطلٌ، كان مستعدًّا لمجادلته بما تقدَّم له من المناظرة مع صاحبه٤.
فالمناظرة في العلم نوعان:
أحدهما: للتمرين٥ والتدرُّب على إقامة الحجج ودفع الشبهات.
والثاني: لنصر الحق، وكسر٦ الباطل.
والأول: يشبه السباق والنضال، والثاني: يشبه الجهاد وقتال
(١) في (ظ) (غَلَبة صاحبه بل إلى غلبة عدوه) وفي (ح)، (مط) (عليه) بدل (غلبة صاحبه) والصواب ما أثبت.
(٢) في (مط)، (ح) (كحال).
(٣) فى (مط) (ح) (صاحبه المانعات).
(٤) في (ظ) (مما تقدم له من المناظرة صاحبه)، وفي (ح، مط) (بما تقدم له بالمناظرة مع صاحبه).
(٥) في (ح، مط) (للتمرن).
(٦) في (مط) (لنصرة الحق وكبت الباطل)، وفي (ح) (لنصر الحق، وكَبْت الباطل).
الكفار.
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾[الأنعام: ٨٣].
قال مالك: "قال زيد بن أسلم: بالعلم"١.
فعِلْمُ الحجة يرفع درجة صاحبه؛ فإن العلم بالحجج، والقوة على الجهاد، مما رفع الله تعالى به درجات الأنبياء وأتباعهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة: ١١]، وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ٤٥﴾[ص: ٤٥].
فالأيدي: القُوَى التي يقدِرون بها على إظهار الحق، و٢ أمر الله، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه. والأبصار: البصائر في دينه، ولهذا يسمِّي الله سبحانه الحُجَّة سلطانًا.
قال ابن عباس: "كل سلطان في القرآن فهو الحجة"٣، كما قال
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣٣٥) رقم (٧٥٥٠) وسنده صحيح. ولفظه (إنه العلم، يرفع الله به من يشاء).
(٢) ليس في (مط) (الحق و).
(٣) أخرجه الفريابي في تفسيره (١/ ٣٩٠ - كما في الاتقان للسيوطي) والطبري في تفسيره (١٩/ ١٤٦). من طريق عمار الدهني عن سعيد عن ابن عباس فذكره، وزاد الفريابي: (كل تسبيح في القرآن صلاة). وجاء من طريق عكرمة عن ابن عباس فذكره. أخرجه ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٦٣) رقم (١٦٢٣٢) والطبري (١٩/ ١٤٦) =