قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾[الأنعام: ٨٣].
قال مالك: "قال زيد بن أسلم: بالعلم"١.
فعِلْمُ الحجة يرفع درجة صاحبه؛ فإن العلم بالحجج، والقوة على الجهاد، مما رفع الله تعالى به درجات الأنبياء وأتباعهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة: ١١]، وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ٤٥﴾[ص: ٤٥].
فالأيدي: القُوَى التي يقدِرون بها على إظهار الحق، و٢ أمر الله، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه. والأبصار: البصائر في دينه، ولهذا يسمِّي الله سبحانه الحُجَّة سلطانًا.
قال ابن عباس: "كل سلطان في القرآن فهو الحجة"٣، كما قال
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣٣٥) رقم (٧٥٥٠) وسنده صحيح. ولفظه (إنه العلم، يرفع الله به من يشاء).
(٢) ليس في (مط) (الحق و).
(٣) أخرجه الفريابي في تفسيره (١/ ٣٩٠ - كما في الاتقان للسيوطي) والطبري في تفسيره (١٩/ ١٤٦). من طريق عمار الدهني عن سعيد عن ابن عباس فذكره، وزاد الفريابي: (كل تسبيح في القرآن صلاة). وجاء من طريق عكرمة عن ابن عباس فذكره. أخرجه ابن أبي حاتم (٩/ ٢٨٦٣) رقم (١٦٢٣٢) والطبري (١٩/ ١٤٦) =
الله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ١٥٦ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ١٥٧﴾[الصافات: ١٥٦ - ١٥٧]، وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾[النجم: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ٣٥﴾[الروم: ٣٥]، وهذا لأن الحجة تسلِّط صاحبَها على خصمه، فصاحب الحُجَّة له سلطان وقدرة على خصمه١، وإن كان عاجزًا عنه بيده.
وهذا هو أحد أقسام النُّصرة التي ينصر٢ الله تعالى بها رسله والمؤمنين في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ٥١﴾[غافر: ٥١].
فإذا كانت المسابقة شُرِعت ليتعلم المؤمن القتال، ويتعوَّده، ويتمرَّن عليه، فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبًا والعدو طالبًا، وقد يقصد الظَّفَر بالعدو ابتداءً إذا كان طالبًا والعدو مطلوبًا، وقد يقصد كلا الأمرين، فالأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد.
وجهاد الدَّفع أصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل، ولهذا أُبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه.
= وعبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (٥/ ١٩٧). وسنده حسن.
(١) من قوله (فصاحب) إلى (خصمه) ليس في (ح)، وانظر إغاثة اللَّهفان للمؤلف (١/ ٩٨).