وأما جهاد الطلب الخالص، فلا يرغب فيه إلا أحد رَجُلين: إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كلُّه لله، وإما راغبٌ في المغنم والسَّبي.
فجهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه١ إلا الجَبَان المذموم شرعًا وعقلًا، وجهاد الطَّلَب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين، وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبًا مطلوبًا، فهذا يقصده خيار الناس؛ لإعلاء كلمة الله تعالى ودينه، ويقصده أوساطهم للدفع ولمحبة الظَّفر٢.
فصل٣
فإذا تبيَّن هذا في الغايات، وهي الجهاد، فمثله في الوسائل، وهي المسابقة والمناضلة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّه٤ إذا كان الرهن من أحد الجانبين، كان غاية مقصود باذله أن يَسْلَم، فيكون حرصه من باب حرص الدافع لا الطالب؛ فإنه لا يحصُل له من٥ الآخر شيءٌ، ومقصود الآخر من جنس مقصود الطالب، فجهاد الأول٦ جهاد دفع، وجهاد هذا جهاد طلب.
(١) في (ظ) (فيه) بدلًا من (عنه) وهو خطأ.
(٢) في (ح) (أواسطهم ومحبة الظفر)، وفي (مط) (أوسطهم ومحبة للظفر).
(٣) ليس في (مط).
(٤) ليس في (مط).
(٥) في (ظ) (مع).
(٦) في (ح، مط) (هذا).
وإذا كان الرهن من كل واحد منهما؛ صار سباق كل واحد سباق طالب مطلوب، وهو نظير جهاد الطالب للمطلوب، فتكون الرغبة والحرص على السبق أقوى؛ لاجتماع السببين١، بخلاف سباق المطلوب فقط، أو الطالب فقط٢.
فكيف يحرم هذا الذي هو من أعظم الأسباب المقتضية لمصلحة المسابقة، ويُباح ما هو دونه في تحصيل هذه المصلحة؟!
فليتدبَّر المنصفُ هذا، ثم إلى إنصافه التحاكم، وإلى عدله التخاصم، وبالله تعالى التوفيق.
* قالوا: وأيضًا، فمبنى هذا العقد على استواء الحزبين، فلا يجوز أن يُقوَّى أحدهما على الآخر؛ لما فيه من مزيد إعانة له على الحزب الآخر، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الجَلَب والجَنَب في السِّباق٣.
فالجَلَب: أن يَصِيْح بفرسه في وقت السباق هو أو غيره، ويزجره زجرًا يزيد معه في شأْوه٤.
وإنما العدل أن يركضا بتحريك اللجام، والاستحثاث بالسوط والمهماز وما في معناهما، من غير إجلابٍ بالصوت.