وإذا كان الرهن من كل واحد منهما؛ صار سباق كل واحد سباق طالب مطلوب، وهو نظير جهاد الطالب للمطلوب، فتكون الرغبة والحرص على السبق أقوى؛ لاجتماع السببين١، بخلاف سباق المطلوب فقط، أو الطالب فقط٢.
فكيف يحرم هذا الذي هو من أعظم الأسباب المقتضية لمصلحة المسابقة، ويُباح ما هو دونه في تحصيل هذه المصلحة؟!
فليتدبَّر المنصفُ هذا، ثم إلى إنصافه التحاكم، وإلى عدله التخاصم، وبالله تعالى التوفيق.
* قالوا: وأيضًا، فمبنى هذا العقد على استواء الحزبين، فلا يجوز أن يُقوَّى أحدهما على الآخر؛ لما فيه من مزيد إعانة له على الحزب الآخر، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الجَلَب والجَنَب في السِّباق٣.
فالجَلَب: أن يَصِيْح بفرسه في وقت السباق هو أو غيره، ويزجره زجرًا يزيد معه في شأْوه٤.
وإنما العدل أن يركضا بتحريك اللجام، والاستحثاث بالسوط والمهماز وما في معناهما، من غير إجلابٍ بالصوت.
هذا تفسير الأكثرين.
(١) في (ح)، (مط) (السبقين).
(٢) من (ظ) (أو الطالب فقط).
(٣) تقدم (ص/ ٩٥ - ٩٦).
(٤) في (مط)، (ح) (في سَيْره).
وقيل: هو أن يجتمع قومٌ، فيصطفُّوا وقوفًا١ من الجانبين، ويزجروا الخيل، ويصيحوا بها، فنُهوا عن ذلك.
والحديث يعمُّ القسمين.
وأما الجَنَب؛ ففيه تفسيران:
أحدهما: - وهو تفسير أكثر الفقهاء٢ - أن يجنب المسابق مع فرسه فرسًا يحرِّضه على الجري، قال أحمد بن أبي طاهر٣:
وإذا تكاثَر في الكَتِيْبَةِ أَهْلُهَاكُنْتَ الَّذي يَنْشَقُّ عَنهُ المَوْكِبُ
والتفسير الثاني: أنهم كانوا يجنبون الفرس حتى إذا قاربوا الأمد، تحوَّلوا عن المركوب الذي قد٥ كدَّه الركوب إلى الفرس المجنوب،
(١) في (ح) (فرقًا) بدلًا من (وقوفًا).
(٢) منهم الليث بن سعد انظر شرح مشكل الآثار (٥/ ١٥٤).
(٣) هو أحمد بن طيفور، أحد البلغاء الشعراء، ولد سنة ٢٠٤ هـ وله مؤلفات كثيرة منها كتاب الخيل، وكتاب الطرد توفى سنة ٢٨٠ هـ. انظر معجم الأدباء للحموي (٣/ ٨٧ - ٩٨).
(٤) لم أقف عليه، فلعله في أحد كتابيه الخيل أو الطَّرد. تنبيه: وقع في (ظ) (بعده) بدلًا من (تقدَّم) الثانية.
(٥) ليس في (مط)، وفي (ح) (المركب الذي قد كدّه الركوب).