* قالوا: وأيضًا، فالسباق إنما يُقْصَد منه١ التعليم والتدريب والتمرين٢ على الفروسية والرمي، وليس المقصود منه أكل المال؛ كما يقصد في البيع والإجارة والجِعَالة؛ فإنه هناك لا قَصْد لأحدهما إلا المال، وهنا مقصود الشارع بِشَرْع هذا العقد العملُ لا المال، وإنما شُرِع فيه المال؛ لأنه أبلغُ في ترغيب٣ النفوس فيه؛ لأنه متى كان الباعث على السِّبَاق الظَّفَر بالمال والغلبة، قويت فيه الرغبة، والمال لا يؤكل في هذا العقد إلا على وَجْه المُخَاطَرة، ومعلومٌ أن حصول هذا المقصود بدون المحلِّل أعظمُ منه إذا كان بينهما، وأن المخاطرة مع المحلِّل كالمخاطرة بدونه سواء أو أزيد، وهذا ضروريُّ التَّصوُّر، وهو مما لا يُستَراب فيه٤، فالمحلل دائر بين أمرين: إما أنه لا فائدة منه٥، وإما أن مصلحة السباق بدونه أتمّ، وأيهما كان؛ فهو مستلزمٌ لبطلان اشتراطه.
* قالوا: وأيضًا، إذا كان الجُعل من أحد المتسابقين، فمقصوده منع الآخر من أخذ الجُعل، ودفعُه عنه، كأنه يقول: أنت لا تقدر على٦ أن تغلبَني، وأنا أُبَيِّن عجزك بأن أبذل لك جُعلًا؛ لأقوِّي رهبتك
(١) في (مط)، (فالسباق يُقصد به)، وفي (ح) (إنما يقصد به)
(٢) في (مط) (والتمرين والتدريب)، وفي (ح) (التعليم والتمييز والتدريب على الفروسية).
(٣) وقع في (مط) (لأنه من ترغيب).
(٤) في (ح، مط) (به).
(٥) في (ح، مط) (فيه).
(٦) ليس في (مط).
ورغبتك في أن تغلبني، وأنت مع ذلك عاجزٌ١.
وذلك أن الإنسان يترك الشيء: إما لعجزه عنه، وإما لعدم إرادته له، فمتى كان مريدًا له إرادة تامَّة، وقادرًا عليه قدرة تامَّة؛ لزم وجودُه قطعًا، فالقادر على أن يغلب غيره قد يريد ذلك لمجرَّد محبَّة النفس لإظهار القدرة والغلبة، وقد يريد ذلك لأخذ المال، فإذا اجتمع الأمران، كانت إرادته أبلغ، كما تقدَّم بيانه.
فالجاعل يقول: أنا أُبيِّنُ أنك عاجز؛ لأني أبذل المال الذي أُحَرِّكُ به رغبتَك في القلب، مع ما في النفس من محبَّة ذلك، فأنت مع كمال رغبتك عاجزٌ عنِّي، وعن مغالبتي، فأنا أقْدَرُ منك على هذا العمل.
هذا مقصوده قطعًا، ليس مقصوده أن يبذل الجُعْل لمن يغلبه ويأخذ ماله؛ فإن عاقلًا لا يقصد هذا، بل٢ يقصد منع الآخر ودفعه وتعجيزه.
فلهذا البذل من أحدهما جائز لهذا المعنى؛ فَلأَنْ يجوز منهما بطريق الأولى والأحرى؛ لأن حصول هذا المعنى٣ مع اشتراكهما في البذل أقوى منه عند انفراد أحدهما به.
* قالوا: وأيضًا، فإن كان أكل المال إذا أخرجا معًا قمارًا حرامًا،
(١) سقط من (ح).
(٢) في (مط) (بأن)، وفي (ح) (لا يقصد بهذا بأن يقصد).