وذلك أن الإنسان يترك الشيء: إما لعجزه عنه، وإما لعدم إرادته له، فمتى كان مريدًا له إرادة تامَّة، وقادرًا عليه قدرة تامَّة؛ لزم وجودُه قطعًا، فالقادر على أن يغلب غيره قد يريد ذلك لمجرَّد محبَّة النفس لإظهار القدرة والغلبة، وقد يريد ذلك لأخذ المال، فإذا اجتمع الأمران، كانت إرادته أبلغ، كما تقدَّم بيانه.
فالجاعل يقول: أنا أُبيِّنُ أنك عاجز؛ لأني أبذل المال الذي أُحَرِّكُ به رغبتَك في القلب، مع ما في النفس من محبَّة ذلك، فأنت مع كمال رغبتك عاجزٌ عنِّي، وعن مغالبتي، فأنا أقْدَرُ منك على هذا العمل.
هذا مقصوده قطعًا، ليس مقصوده أن يبذل الجُعْل لمن يغلبه ويأخذ ماله؛ فإن عاقلًا لا يقصد هذا، بل٢ يقصد منع الآخر ودفعه وتعجيزه.
فلهذا البذل من أحدهما جائز لهذا المعنى؛ فَلأَنْ يجوز منهما بطريق الأولى والأحرى؛ لأن حصول هذا المعنى٣ مع اشتراكهما في البذل أقوى منه عند انفراد أحدهما به.
* قالوا: وأيضًا، فإن كان أكل المال إذا أخرجا معًا قمارًا حرامًا،
(١) سقط من (ح).
(٢) في (مط) (بأن)، وفي (ح) (لا يقصد بهذا بأن يقصد).
(٣) في (مط) (المنع).
فالمحلل أكَّد أمْرَ١ هذا القمار وقوَّاه وثبَّته، فلم يَخْرُجْ به هذا٢ العقد عن القمار، لا صورة ولا معنى، ولا يظهر للناظر٣ - بعد طول تأمُّله ونظره - لأيِّ معنى خَرَج به العقد عن كونه أكل مال بالباطل، وانقلب به العقدُ عن كونه عقد قمار وميسرٍ إلى كونه عقدَ جِعَالة أو إجارةٍ، فاستحالت به خَمْرة هذا العقد خَلًّا، وصار به حَرَامُه حِلًّا؟!
وهل فرَّقت الشريعة العادلة بين متماثلين من غير معنى مفرِّق٤ بينهما، أو جمعت بين متضادَّيْن؟!
وهل حرَّمت عملًا لمعنى، ثم تبيحه مع قيام ذلك المعنى بعينه أو زيادته من غير أن تعارضه مصلحة راجحة؟!
وهل زاد المستعار الدخيل هذا العقد إلا شرًّا؛ فإنه زاده مخاطرة، واقتضى نفرة طباع المتسابقين عنه، وأكله مالهما، وعدم إطعامهما شيئًا، وهو المراعى جانبُه، المنظور في مصلحته، وهو إما سالم وإما غانم؛ يُغْلَب فيسلم، ويَغْلِب فيغنم، والذي قد أخرج ماله، لَصِيق٥ كبده، وشقيق روحه، يُغْلَب فيَغرم، ويَغْلِب صاحبَه فلا٦ يدعه المحلِّل يفرح بغلَبِه، بل يشاطره المال؛ إن ساواه في سبق الآخر،