فالمحلل أكَّد أمْرَ١ هذا القمار وقوَّاه وثبَّته، فلم يَخْرُجْ به هذا٢ العقد عن القمار، لا صورة ولا معنى، ولا يظهر للناظر٣ - بعد طول تأمُّله ونظره - لأيِّ معنى خَرَج به العقد عن كونه أكل مال بالباطل، وانقلب به العقدُ عن كونه عقد قمار وميسرٍ إلى كونه عقدَ جِعَالة أو إجارةٍ، فاستحالت به خَمْرة هذا العقد خَلًّا، وصار به حَرَامُه حِلًّا؟!
وهل فرَّقت الشريعة العادلة بين متماثلين من غير معنى مفرِّق٤ بينهما، أو جمعت بين متضادَّيْن؟!
وهل حرَّمت عملًا لمعنى، ثم تبيحه مع قيام ذلك المعنى بعينه أو زيادته من غير أن تعارضه مصلحة راجحة؟!
وهل زاد المستعار الدخيل هذا العقد إلا شرًّا؛ فإنه زاده مخاطرة، واقتضى نفرة طباع المتسابقين عنه، وأكله مالهما، وعدم إطعامهما شيئًا، وهو المراعى جانبُه، المنظور في مصلحته، وهو إما سالم وإما غانم؛ يُغْلَب فيسلم، ويَغْلِب فيغنم، والذي قد أخرج ماله، لَصِيق٥ كبده، وشقيق روحه، يُغْلَب فيَغرم، ويَغْلِب صاحبَه فلا٦ يدعه المحلِّل يفرح بغلَبِه، بل يشاطره المال؛ إن ساواه في سبق الآخر،
(١) من (ظ).
(٢) من (مط).
(٣) في (ح)، (مط) (للناس).
(٤) في (مط) (من غير مفرق)، وفي (ظ) (معنى فرَّق).
(٥) في (مط) (يضيق) وفي (ح) (ولصيق).
(٦) ليس في (مط).
ويحرمه إياه بالكلية١ إن سَبَقه فسَبَقَ خصمه، وغَرِمَ ماله، فلم يستفد بسَبْقِ قِرْنه إلا خسارة ماله، وكان هذا من بركة المحلِّل، فلولاه؛ لقرَّت عينُه بِسَبْقه، وفرحت به نفسه٢، وقويتْ رغبتُه في هذه المسابقة التي يحبُّها الله ورسوله.
هكذا حال قِرْنه أيضًا معه، فالباذلان المتسابقان لهما غُرْم هذا العقد، وللمستعار غُنْمه، وهو بارد القلب منهما، وهما يعضَّان عليه الأنامل من الغيظ، وهو في هذا العقد: إما منتفع، وإما سالم من الضَّرر، مع كونه لم يخرج شيئًا، وكلُّ منهما: إما منتفع٣ وإما متضرِّر، وإن انتفع، فهو بصدد أن ينغِّص عليه المحلِّل منفعته، هذا مع بذلهما!!
فألحقتم بالباذلين من الشَّر والضرر والغَبْن ما نجَّيتم منه٤ المستعار الذي هو دخيلٌ عليهما٥ في المسابقة، وليس مقصودًا، مع أنه لم يبذل شيئًا.
قالوا: وهل تأتي شريعةٌ بمثل هذا؟!
وهل في الشريعة التي بهَرَت حكمتُها العقول مثل هذا؟!