وإن سبق أحدها وساوى١ الآخر المحلِّل، خاب المحلِّل، وفاز السابق بسبقه، وفي استحقاقه سبق صاحبه القولان".
فليتدبَّر اللبيب ما في هذه الفروع٢ من الفساد والتَّناقض الدَّال على فساد الأصل، فإنها إنما نشأت عن اشتراط المحلِّل، وهي من لوازم القول به، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
ولما تفطَّن بعض المشترطين لفساد هذه الفروع، قال: إنْ سَبَق المحلِّل لم يأخذْ شيئًا، وإن سُبِق غرم. ذكره بعض الحنفيَّة، حكاه ابن الساعاتي في "شرح مجمع البحرين"، وابن بلدجي في "شرح المختار"٣.
فتأمل هذا التفاوت الشديد، والاختلاف المتباين في أمر هذا الدخيل المستعار؛ فإنَّ ما كان من عند الله لا يَعْرِض له هذا التناقض الشديد والاختلاف الكثير: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ٨٢﴾[النساء: ٨٢]، وَزِنْ هذه الفروع المتباينة، والأقوال المتضادة فيه، بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وقواعد شريعته وأصولها وحِكَمها ومصالحها، واعْرِضْها على الدَّليل، ولا تجعلها عرضة للأدلَّة؛ بحيث تعرض الأدلَّة عليها فلا تجدها توافقها، فَتُرَدّ الأدلَّة لأجلها، كما هو اعتماد كثير ممَّن غُبِن حظّه من العلم
* قالوا: وأيضًا، فإن١ النبي ﷺ قد صارع وراهن على الصراع، وكان ذلك من الجانبين، ولم يكن بينهما محلِّل، بل يستحيل دخول المحلِّل بين المتصارعين.
ونحن نذكر قصة مصارعته ﷺ:
قال أبو الشَّيخ الأصبهاني: حدثنا عبد الله بن محمد٢ بن زكريا ثنا سلَمة بن شَبِيْب ثنا عبد الرزاق أخبرنا مَعْمر عن يزيد بن أبي زياد - أحسبه - عن عَبد الله بن الحارث؛ قال: "صارع النبي ﷺ أبا رُكانة في الجاهلية، وكان شديدًا، فقال: شاة بشاة. فصرعه النبي ﷺ، فقال أبا رُكانة: عاوِدْني في أخرى، فصرعه النبي ﷺ، فقال: عاوِدْني في أخرى، فعاوده، فصرعه النبي ﷺ، فقال أبو رُكانة: ما أقول لأهلي؟ شاة أكلها الذئب، وشاة نَشَزَت، فما أقول للثالثة؟ فقال النبي ﷺ ما كُنَّا لنجمع عليك أن نصرعك ونُغْرِمك، خُذْ غنمك"٣.
وقال أبو داود في كتاب "المراسيل"٤: حدثنا موسى بن
(١) من (مط) فقط (فإن)، وفي (ح، ظ) (فالنبي ﷺ).
(٢) ليس في (مط) (بن محمد).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٤٢٧) رقم (٢٠٩٠٩)، وأبو الشيخ الأصبهاني في (السبق والرمي) كما في (التلخيص الحبير) (٤/ ١٨٠) لابن حجر وقال: "ويزيد فيه ضعف، والصواب: ركانة".
(٤) رقم (٣٠٨) ومن طريقه: البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٨). هكذا رواه موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به فأرسله. =