الفروسية

يُدْرِك ركانة، فإن رُكَانة توفي في أوَّل خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين، وهو من مُسْلِمَة الفتح، وقصة مصارعته للنبي ﷺ معروفة عند العلماء، وإنما يُنْكِرون مصارعة النبي ﷺ لأبي جهل"، كما تقدَّم التنبيه عليه"١.

وقال أبو داود في "سننه"٢ عن محمد بن علي بن رُكَانة: "إن رُكَانة صارع النبي ﷺ، فصرعه النبي ﷺ".

وهذا ليس فيه ذكر السَّبَق، ولكن ذكره في حديث سعيد بن جُبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن الحارث.

وهذه الروايات لا تناقض فيها؛ فإن من روى قصة المصارعة: منهم من ذكر الرهن من الجانبين، ومن لم يذكر الرهن لم ينفه، بل سكت عنه، واقتصر على بعض القصة، ومن ذكر قصة تسبيق ركانة بالشاة، لم ينف إخراج رسول الله ﷺ أيضًا، بل سكت عنه، فذكره عبد الله بن الحارث.

ولو نفى بعض الرواة إخراج رسول الله ﷺ للرَّهن صريحًا، وأثبته البقيَّة؛ لقُدِّم المثبت على النافي؛ كما في نظائره.

وإذا ثبت هذا، فهو دليلٌ على المراهنة من الجانبين بلا محلِّل وهو نظير مراهنة الصِّدَّيق فإن كل واحدةٍ منهما مراهنة على ما فيه ظهور الدين؛ فإنَّ رُكانة هذا كان من أشد الناس، ولم يُعْلَم أنَّ أحدًا صرعه،

  1. (١) (ص/ ١٠ - ١١).
  2. (٢) تقدم (ص/ ١٥).
141

فلمَّا صرعه النبي ﷺ، عَلِمَ أنه مؤيَّد بقوة أخرى من عند الله تعالى، ولهذا قال: "واللهِ ما رمى أحدٌ جنبي إلى الأرض"، فكان لا يُغْلَب، فأراد النبي ﷺ بمصارعته إظهار آيات نبوَّته، وما أيَّده الله تعالى به من القوة والقدرة١، وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصديق، لكن قصة الصدِّيق في الظُّهور بالعلم، وهذه في الظُّهور بالقوة والقدرة، والدين إنما يقوم بهذين الأمرين: العلم والقدرة، فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي والركوب، لِمَا فيهما٢ من العَوْن على إظهار الدِّين وتأييده، فهي مراهنةٌ على حقّ، وأكل المال بها أكلّ له بالحق٣، لكن النبي ﷺ لَمَّا كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره؛ ردَّ عليه المال، ولم يأخذ منه شيئًا، فأسْلَم الرجل.

وهذه المراهنة من رسول الله ﷺ وصدِّيقِه هي من الجهاد الذي يُظْهِر الله تعالى به دينه، ويُعِزُّه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناه في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة٤ جنْسُها يُعَدُّ للجهاد، بخلاف جنس الصراع؛ فإنه لم يُعَدَّ للجهاد، وإنمَا يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمَّن نصرة الحق وإعلائه؛ كصراع النبي ﷺ ركانة.

وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أُريد بها الفخر، والعلو في الأرض، وظلم الناس = كانت مذمومة، فالصِّراع والسِّباق بالأقدام

  1. (١) في (ح، مط) (كما أيَّده الله به من القوة والفضل).
  2. (٢) في (مط) (إنما فيها).
  3. (٣) في (مط)، (ح) (بحق).
  4. (٤) من (ظ)، وسقط من (ح) (جنسها يُعدُّ).
142

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي