الفروسية

فلمَّا صرعه النبي ﷺ، عَلِمَ أنه مؤيَّد بقوة أخرى من عند الله تعالى، ولهذا قال: "واللهِ ما رمى أحدٌ جنبي إلى الأرض"، فكان لا يُغْلَب، فأراد النبي ﷺ بمصارعته إظهار آيات نبوَّته، وما أيَّده الله تعالى به من القوة والقدرة١، وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصديق، لكن قصة الصدِّيق في الظُّهور بالعلم، وهذه في الظُّهور بالقوة والقدرة، والدين إنما يقوم بهذين الأمرين: العلم والقدرة، فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي والركوب، لِمَا فيهما٢ من العَوْن على إظهار الدِّين وتأييده، فهي مراهنةٌ على حقّ، وأكل المال بها أكلّ له بالحق٣، لكن النبي ﷺ لَمَّا كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره؛ ردَّ عليه المال، ولم يأخذ منه شيئًا، فأسْلَم الرجل.

وهذه المراهنة من رسول الله ﷺ وصدِّيقِه هي من الجهاد الذي يُظْهِر الله تعالى به دينه، ويُعِزُّه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناه في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة٤ جنْسُها يُعَدُّ للجهاد، بخلاف جنس الصراع؛ فإنه لم يُعَدَّ للجهاد، وإنمَا يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمَّن نصرة الحق وإعلائه؛ كصراع النبي ﷺ ركانة.

وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أُريد بها الفخر، والعلو في الأرض، وظلم الناس = كانت مذمومة، فالصِّراع والسِّباق بالأقدام

  1. (١) في (ح، مط) (كما أيَّده الله به من القوة والفضل).
  2. (٢) في (مط) (إنما فيها).
  3. (٣) في (مط)، (ح) (بحق).
  4. (٤) من (ظ)، وسقط من (ح) (جنسها يُعدُّ).
142

ونحوهما إذا قُصِد به نصر الإسلام، كان طاعة، وكان أخذ السَّبَق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل.

والأصل في المال أن لا يُؤكل إلا بالحق، لا يُؤكل بباطل١، وهو ما لا منفعة فيه.

فحديث رُكَانة هذا أحد طرقه صريحة في الرِّهان من الجانبين من غير٢ محلِّل، والطريق٣ الأخرى لم تنفِ ذلك، بل لم تكن عادة العرب وغيرهم - وإلى الآن - أن يَبْذُلَ السَّبَق أحدُ المتغالبين وحده٤، وإنما المعروف من عادات الناس التَّراهن من الجانبين، وقد جُعِل في طِبَاعِهم وفِطَرِهم أن الرهن من أحد الجانبين قِمَار وحرام، والنفوس تحتقرُ الذي لم يَبْذُل وتَزْدَرِيْه، وتعدُّه بخيلًا شحيحًا مهينًا.

وممَّا يوضح أن التَّراهن كان من الجانبين في هذه القصة: أن ركانة لما غلبه النبي ﷺ وأخذ منه شاة، طلب رُكانةُ العَوْدَ، وإنما ذلك لِيسترجع الشاة، ولم يكن له غرضٌ في أن يغرمَ شاة أخرى وثالثة، ولو كان البذل من ركانة وحده، لم يكن له سبيلٌ لاسترجاع٥ الشاة التي خرجت منه، بل إذا غُلِبَ غرم شاة أخرى، وإن غلبَ لم يفرح بأخذ شيء، فلم يكن ليطلبَ العَوْد إلى صراع هو فيه غارم ولا بد،

  1. (١) في (مط)، (ح) (بالباطل).
  2. (٢) في (ظ) (بغير) بدل (من غير).
  3. (٣) في (مط) (والطرق).
  4. (٤) ليس في (ح).
  5. (٥) في (ظ) (إلى إسترجاع).
143

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي