الفروسية

ونحوهما إذا قُصِد به نصر الإسلام، كان طاعة، وكان أخذ السَّبَق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل.

والأصل في المال أن لا يُؤكل إلا بالحق، لا يُؤكل بباطل١، وهو ما لا منفعة فيه.

فحديث رُكَانة هذا أحد طرقه صريحة في الرِّهان من الجانبين من غير٢ محلِّل، والطريق٣ الأخرى لم تنفِ ذلك، بل لم تكن عادة العرب وغيرهم - وإلى الآن - أن يَبْذُلَ السَّبَق أحدُ المتغالبين وحده٤، وإنما المعروف من عادات الناس التَّراهن من الجانبين، وقد جُعِل في طِبَاعِهم وفِطَرِهم أن الرهن من أحد الجانبين قِمَار وحرام، والنفوس تحتقرُ الذي لم يَبْذُل وتَزْدَرِيْه، وتعدُّه بخيلًا شحيحًا مهينًا.

وممَّا يوضح أن التَّراهن كان من الجانبين في هذه القصة: أن ركانة لما غلبه النبي ﷺ وأخذ منه شاة، طلب رُكانةُ العَوْدَ، وإنما ذلك لِيسترجع الشاة، ولم يكن له غرضٌ في أن يغرمَ شاة أخرى وثالثة، ولو كان البذل من ركانة وحده، لم يكن له سبيلٌ لاسترجاع٥ الشاة التي خرجت منه، بل إذا غُلِبَ غرم شاة أخرى، وإن غلبَ لم يفرح بأخذ شيء، فلم يكن ليطلبَ العَوْد إلى صراع هو فيه غارم ولا بد،

  1. (١) في (مط)، (ح) (بالباطل).
  2. (٢) في (ظ) (بغير) بدل (من غير).
  3. (٣) في (مط) (والطرق).
  4. (٤) ليس في (ح).
  5. (٥) في (ظ) (إلى إسترجاع).
143

ولا سبيل له إلى استنقاذ ما غرمه ألبتة. وهذا بخلاف ما إذا كان التراهن من الجانبين - كما هو الواقع - كان المغلوب على طمعٍ من استرجاع ما غرمه، فيحرِص على العَوْد.

والمقصود أن الرهن لو كان من جانب واحد - وهو جانب رُكانة -، لم يكن له في العودة بعد الغُرْم فائدة أصلًا، بل إما أن يغرم شاة ثانية وثالثة مع الأولى، وإما أن تستقرَّ الأولى للنبي ﷺ، وهذا مما يُعْلَم أن رُكانة لم يقصده، بل ولا غيره من المتغالبين، وإنما يَقْصِدُ المَغْلُوبُ بالعَوْد استرجاع ما خرج منه وغيره معه.

فهذا الأثر يدلُّ على جواز المراهنة من الجانبين بدون محلِّل في عمل يتضمَّن نصرة الحق، وإظهار أعلامه، وتصديق الرسول صلاة الله وسلامه عليه.

وهذا بخلاف العمل الذي وجوده مكروهٌ بغيضٌ إلى الله ورسوله، متضمِّن للصَّدِّ عن ذكره؛ فإن هذا لا يجوز فيه مع١ إخراج العِوَض.

وهذا على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد ظاهر جدًّا٢؛ فإنهم يجوِّزون المسابقة بالعوض على الطيور المعدَّة للأخبار التي يَنْتَفِع بها المسلمون.

حكاه أبو الحسن الآمدي، وصاحب "المستوعب" عن بعض

  1. (١) ليس في (مط).
  2. (٢) لمذهب الشافعي انظر: الحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ١٨٦).
    ولمذهب أحمد انظر: الفروع لابن مفلح (٤/ ٤٦١ - ٤٦٢).
144

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي