يريد أبو سفيان بالمدة: صلح الحديبية، وكان في ذي القعدة سنة سِتٍّ بلا شك، فعُلِم أنَّ تحريم القِمَار سابقٌ على أخذ الصديق الرهان، الذي راهن عليه أهل مكة، ولو كان رهان الصديق منسوخًا، لكان أبعد الناس منه، فقد روى البخاري في "صحيحه"١: "أنه كان له غلام يأخذ من الخَراج، فجاء يومًا بشيء، فأكلَ منه، ثم ضحك غلامه فقال مالك؟ فقال٢: أتدري من أين هذا؟ قال: لا، قال: إني كنتُ تكهَّنتُ لإنسان في الجاهلية، فلما كان اليوم، جاءني بما جَعَل لي، فوضع أبو بكر يده في فيه، وأستقاء ما كان أكلَ".
فكيف يأخذ القمار الحرام٣ بعد علمه بتحريمه ونسخه؟! هذا من المحال البيِّن.
وقد رُوِيَ أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يتصدق بما أخذ من المشركين من الرهان٤.
(١) رقم (٣٦٢٩) عن عائشة ﵂. وفيه: (… فقاء كل شيء في بطنه).
(٢) قوله (مالك؟ فقال:) من (ظ).
(٣) وقع في (ظ) (فكيف بالقمار والحرام بعد …).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (كما في تفسير ابن كثير (٣/ ٤٣٣)، وأبو يعلى في مسنده (كما في المطالب العالية ١٥/ ١٠٤) رقم (٣٦٨٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٧٣) وغيرهم. من طريق مؤمَّل عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء فذكره مطولًا. وفيه مؤمل بن إسماعيل البصري، قال المروزي: "المؤمل إذا انفرد =
وهذا إن صح لا يضرُّ؛ فإنه الأولى والأكمل والأليق بِمَنْصِبِ الصِّدِّيقيَّة.
فلما رأت هذه الطائفة أنه لا يصح أن تكون قصة الصديق منسوخة بتحريم القمار؛ قالت: هي منسوخة بحديث أبي هريرة: "لا سبق إلا في خُفٍّ أو حافر أو نَصْل"١.
قالوا: وأبو هريرة أسلم عام خيبر سنة سبع، وهذا بعد تحريم القمار والخمر بلا شك، فيكون حديثه ناسخًا لمراهنة الصديق.
قال الآخرون: أبو هريرة لم يقل: سمعتُه من رسول الله ﷺ، فجائز أن يكون أرسله عن بعض الصحابة، كما في عامة حديثه؛ فإنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ. فإذا وُقِفَ يقول: حدثني فلان، ويذكر من حدَّثه مِنَ الصحابة.
وعلى تقدير أن يكون سمعه من النبي ﷺ، فغايته أنه لفظ عامٌّ، ومراهنة الصديق واقعة خاصَّة، والخاصُّ مقدَّم على العام - تقدَّم أو تأخَّر - عند الجمهور.
= بحديث وجب أن يتوقف ويتثبت فيه لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط". وأيضًا اضطرب فيه مؤمل فرواه عنه الوكيعي وفي آخره "هذا السحت، قال: تصدق به". ورواه إبراهيم بن عرعرة عنه بلفظ "هذا للنجائب" عند أبي يعلى، وعند ابن عساكر من طريق أبي يعلى: "هذا التنحيب". فالسند ضعيف. انظر تهذيب التهذيب (٤/ ١٩٤) ط - مؤسسة الرسالة.