وذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قَبْلَ المحلل دائرٌ بين١ أن يأخذ من الآخر أو يعطيه؛ فهو دائرٌ بين أن يَغْنم أو يَغْرم، والمُخْرِج لم يقصد أن يجعل للسابق جُعلًا على سَبْقه حتى يكون من جنس الجعائل، فإذا دخل بينهما ثالث، كان لهما حال ثانية٢، وهو أن يعطِيا جميعًا الثالث، فيكون الثالث له جُعْل على سبقه لهما، فيكون من جنس الجعائل.
قالوا: وإنما شَرَطَ النبي ﷺ أنه لا يأمن أن يُسبْق؛ لأنه لم يَكْتفِ بصورة الدَّخِيْل حتى يكون دخوله حِيْلَة مجرَّدة، بل لا بدَّ أن يكون فرسه يحصل معه مقصود٣ انتفاء القمار بمكافأته لفرسيهما.
قالوا: ولهذا يَشْتَرِط هذه٤ المكافأة من يجوِّز الحيلَ، فلا يجوز دخولُ هذا الثَّالث حيلةً، بل لا بد أن يخاف منه، ما يخاف٥ من كل واحد من المُخْرِجين، ويرجو ما٦ يرجو له، ولا يكفي صورته ليتحقق الخروج بدخوله عن شبه القمار.
هذا غاية ما يقرر به هذا الحديث سندًا ودلالة.
(١) ليس في (ظ).
(٢) في (ظ) (ثالثة).
(٣) ليس في (مط).
(٤) من (ظ).
(٥) في (ح) (يخاف مثل ما يخاف كل واحد).
(٦) في (ح) (ويرجو ما لا يرجو له).
فصلٌ
قالوا: والدليل الثاني على اشتراط المحلِّل:
ما رواه أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه"١، فقال: ثنا الحسن بن سفيان ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد الله بن نافع عن عاصم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ سابَقَ بين الخيل، وجعل بينهما سَبَقًا، وجعل بينهما محلِّلا، وقال: لا سبق إلا في حافر، أو خفٍّ، أو نصْل".
قالوا: فهذا إسناد كلهم ثقات، وتصحيح أبي حاتم لحديث عاصم هذا - وهو عاصم بن عمر بن حفص - يدل على كونه ثقة عنده، ووجه الاستدلال منه ظاهر.
فصلٌ
الدليل الثالث: ما رواه الحافظ أبو إسحاق يعقوب بن إبراهيم السَّعدي في كتابه "المترجم"، فقال: حدثني عبد الله بن يوسف حدثنا
(١) (١٠/ ٥٤٣) رقم (٤٦٨٩) وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٢٨) والطبراني في الأوسط (٦/ ٤٣) رقم (٧٩٣٦) وغيرهم. وهو حديث ضعيف جدًّا، تفرد به عاصم بن عمر بن حفص العمري، وهو ضعيف جدًّا في حديثه عن عبد الله بن دينار. قال أبو زرعة الرازي: "روى عن عبد الله بن دينار خمسين حديثًا كلها مناكير". وسيأتي كلام المؤلف عليه (ص/ ٢٢٧ - ٢٣٠). انظر تهذيب الكمال للمزِّي (١٣/ ٥١٨ - ٥١٩). تنبيه: سقط من (ح، ظ) (أو خف).