وإتقانه، وملازمته له، واعتنائه بحديثه، ومتابعة غيره له، ويتركون١ حديثه نفسه عمَّن ليس هو معه بهذا المنزلة.
وهذه حال سفيان بن حسين عند جماعتهم: ثقة، صدوق، وهو في الزهري ضعيف لا يُحتجُّ به؛ لأنه إنما لقيهُ مرَّة بالمَوْسِم، ولم يكن له من الاعتناءِ بحديث الزهري وصُحْبته وملازمته له ما لأصحاب الزهري الكبار، كمالك واللَّيث ومعمر وعُقَيْل ويونس وشُعَيْب؛ فإذا تفرَّد٢ مثل هذا بحديث عن هؤلاء، مع ملازمتهم الزهري٣، وحفظهم حديثه، وضبطهم له، وهو٤ ليس مثلهم في الحفظ والإتقان؛ لم يكن حجة عندهم.
هذا إذا لم يخالفوه، فكيف إذا خالفوه، فَرَفَع ما قد٥ وقَفُوه، ووَصل ما قطعوه، وأسْنَد ما أرسلوه؟!
هذا مما لا يرتاب أئمة هذا الشأن في أن٦ إلْحَاقَ الغَلَطِ به أولى.
وربما يظن الغالط الذي ليس له ذَوْق القوم ونقدهم = أنَّ هذا تناقض منهم؛ فإنهم يحتجُّون بالرجل ويوثِّقونه في موضع، ثم يضعِّفونه بعينه ولا يحتجون به في موضع آخر، ويقولون: إن كان ثقة،
(١) في (مط)، (ح) (وبين كون) بدلًا من (ويتركون).
(٢) في (ح) (انفرد).
(٣) في (مط)، (ح) (للزهري).
(٤) من (ظ).
(٥) من (ظ).
(٦) من (ظ).
وجب قبول روايته جملة، وإن لم يكن ثقة، وجب١ ترك الاحتجاج به جملة.
وهذه طريقة قاصري العلم، وهي طريقة٢ فاسدة، مجمعٌ بين أهل الحديث على فسادها؛ فإنهم يحتجُّون من حديث٣ الرجل بما تابعه غيره عليه، وقامت شهوده من طرق ومتون أخرى، ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف الناس، أو انفرد٤ عنهم بما لا يتابعونه عليه، إذِ الْغَلَطُ في موضع لا يُوْجِبُ الغلط في كل موضع، والإصابة في بعض الحديث أو في٥ غالبه لا توجب العِصْمَة من الخطأ في بعضه، ولا سيما إذا عُلِم من مثل هذا أغلاط عديدة، ثم روى ما يخالف الناس ولا يتابعونه على الظن، أو يُجْزَم بِغَلَطِهِ.
فصل
وهنا٦ يَعْرِض لمن قَصُر نقدُه وذوقُه٧ عن نقد الأئمة وذوقهم في هذا الشأن نوعان من الغلط، نُنَبِّه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما.
(١) من قوله (قبول) إلى (وجب) سقط من (مط).
(٢) قوله (قاصري العلم، وهي طريقة) من (ظ).
(٣) في (مط)، (ح) (بحديث).
(٤) في (ح، مط) (وانفرد).
(٥) من (ظ).
(٦) في (مط)، (ح) (وهذا).
(٧) وقع في (ح، مط) (وذوقه هنا عن نقد)، والسياق يقتضي حذف (هنا)، كما جاء في (ظ).