ولا يرفعون به رأسًا ألْبَتَّة، بل لا يدل تصحيحه١ على حسن الحديث، بل يُصَحِّحُ أشياء مَوْضُوْعَة بلا شك عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا عِلْم له بالحديث لا يعْرِفُ ذلك؛ فليس بمعيار على سُنَّةِ رسول الله ﷺ، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئًا.
والحاكم نفسه يصحِّح أحاديث٢ جماعة، وقد أخبر في كتاب "المَدْخَل" له أنَّه لا يُحْتجُّ بهم، وأطلق الكذب على بعضهم، هذا مع أن مُسْتَنَدَ تصحيحه ظَاهِرُ سنده، وأن رواته ثقات، ولهذا قال: "صحيح الإسناد".
وقد عُلِم أنَّ صِحَّة الإسناد شرطٌ من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحته٣؛ فإن الحديث إنما يصحُّ بمجموع أمور؛ منها: صِحَّة سنده، وانتفاءُ عِلَّته، وعدمُ شُذِوذِه ونَكَارَتِهِ، وأن لا يكون راويه قد خَالَفَ الثقات أو شَذَّ عنهم.
وهذا الحديث قد تَبَيَّنتْ عِلَّتُهُ ونَكَارتُهُ.
قالو: وأما تصحيح أبي محمد بن حَزْم له: فما أجْدره بظاهريته٤، وعدم التفاته إلى العلل والقرائن٥ التي تمنع ثبوت
(١) في (ظ) (بل لا يعدل تصحيحه ولا يدل على حسن).
(٢) في (ح) (مط) (حديث).
(٣) في (مط)، (ح) (لصحة الحديث).
(٤) في (ظ) (أجدر ظاهريته)، وفي (ح) (فما أجد بظاهريته).
(٥) في (ح) (القوانين) بدلًا من (القرائن).
الحديث بتصحيح مثل١ هذا الحديث وما هو دونه في٢ الشذوذ والنكارة، فتصحيحه للأحاديث المعلولة وإنكاره لتعليلها نظير إنكاره للمعاني والمناسبات والأقيسة التي يستوي فيها الأصل والفرع من كل وجه، والرجل يصحِّح ما أجمع أهل الحديث على ضعفه، وهذا بيِّنٌ في كُتُبِه لِمَن تأمَّله.
وأَما قولُكم: "إن الإمام أحمد رواه، وبنى مذهبه عليه، وسكت عن تضعيفه، وما سكت عنه في "المسند"؛ فهو صحيح عنده".
فهذه أرْبَعُ مقدِّمات، لو سُلِّمَتْ لكم، لكان غاية ما يُستنتَج منها تصحيح أحمد له.
وأحمد قد خالفه من ذكرنا أقوالهم في تضعيفه، والشهادة له بالنكارة، وأنه ليس من كلام رسول الله ﷺ.
وإذا اختلف أحمد وغيره من أئمة الحديث في حديث؛ فالدليل يحكم بينهم، وليس قوله حُجَّة عليهم، كما إذا خالفه غيره في مسألة من الفقه، لم يكن قوله حُجَّة على مَن خالفه، بل الحُجَّة الفاصِلة هي الدَّليل.
ولو أنا احْتَجَجْنَا عليكم بمثل هذا، لَقُلْتُم - ولَسُمِع قولكم -: تصحيحُ أحمد معارِضٌ لتضعيف هؤلاء الأئمة، فلا يكون حُجَّة.