فهذا حديث رواه، وبني عليه مذهبه، واحتجَّ به، ثم قال - في رواية حَنْبَل -: "هذا حديث منكر".
وهذا بابٌ واسعٌ جدًّا١، لو تتَبَّعْناهُ؛ لجاء كتابًا كبيرًا.
والمقصود أنه ليس كل ما رواه وسكت عنه يكون صحيحًا عنده، وحتى لو كان صحيحًا عنده، وخالفه غيره في تصحيحه، لم يكن قوله حُجَّة على نظيره.
وبهذا يُعْرَفُ وَهْم الحافظ أبي موسى المَدِيْني في قوله: "إنَّ ما خرَّجه الإمام أحمد في "مسنده" فهو صحيح عنده"٢.
فإنَّ أحمد لم يقل ذلك قط، ولا قال ما يدلُّ عليه، بل قال ما يدلُّ على خلاف ذلك، كما قال أبو العز بن كادش٣: "إن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: ما تقول في حديث رِبْعِي عن حُذَيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رَوَّاد؟ قلت: يَصِحُّ؟ قال: لا، الأحاديث بخلافه،
= (وبلغني عن أبي سلمة)، وما ورد من تصريح الزهري بسماعه من أبي سلمة فهو وهم. والحديث أعله الإمام أحمد والبخاري وابن المبارك والنسائي وغيرهم. انظر التلخيص (٤/ ١٩٣ - ١٩٤).
(١) من (ظ).
(٢) انظر خصائص المسند (ص/ ١٦).
(٣) هو المحدِّث: أحمد بن عبيد الله بن محمد السلمي سمع من الماوردي، وسمع منه السِّلَفِي وابن عَساكر، وقد تُكُلِّم فيه، توفي ٥٢٦ هـ. انظر: السير (١٩/ ٥٥٨)، واللسان (١/ ٥٣٢).
وقد رواه الحفاظ عن رِبْعي عن رجل لم يُسَمِّه. قال: فقلتُ له: لقد ذكرتَه في "المسند"١؟ فقال: قصدتُ٢ في "المسند" الحديث المشهور، وتركتُ الناس تحت سِتْر الله، ولو أردتُ أقصد٣ ما صحَّ عندي، لم أرْوِ من هذا "المسند" إلا الشيء بعد الشيء، ولكنَّك يا بُنَي تعرف طريقتي في "المسند"، لسْتُ أخالف ما فيه ضعف؛ إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه".
فهذا تصريح منه رحمه الله تعالى بأنه أخرج فيه الصحيح وغيره. وقد اسْتَشْكَلَ أبو موسى المَدِيني هذه الحِكَاية، وظَنَّهَا كلامًا متناقضًا، فقال: "ما أظنُّ هذا يصح؛ لأنه كلام متناقض؛ لأنه يقول: لستُ أخالفُ ما فيه ضعف؛ إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث: الأحاديث بخلافه"، قال: "وإن صحَّ؛ فلعله كان أوَّلًا، ثم أخرج منه ما ضَعُف؛ لأني طلبتُه في المسند، فلم أجِدْه"٤.
قلت: ليس في هذا تناقضٌ من أحمد ﵀، بل هذا هو أصله الذي بنى عليه مذهبه، وهو لا يقدم على الحديث الصحيح شيئًا ألبتة٥، لا عَمَلًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحبٍ، وإذا لم يكن في المسألة حديثٌ صحيحٌ، وكان فيها حديثٌ ضعيفٌ، وليس في الباب
(١) لم أقف في المسند المطبوع على حديث ربعي عن حذيفة، الذي يرويه عبد العزيز بن أبي روَّاد.