وقد رواه الحفاظ عن رِبْعي عن رجل لم يُسَمِّه. قال: فقلتُ له: لقد ذكرتَه في "المسند"١؟ فقال: قصدتُ٢ في "المسند" الحديث المشهور، وتركتُ الناس تحت سِتْر الله، ولو أردتُ أقصد٣ ما صحَّ عندي، لم أرْوِ من هذا "المسند" إلا الشيء بعد الشيء، ولكنَّك يا بُنَي تعرف طريقتي في "المسند"، لسْتُ أخالف ما فيه ضعف؛ إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه".
فهذا تصريح منه رحمه الله تعالى بأنه أخرج فيه الصحيح وغيره. وقد اسْتَشْكَلَ أبو موسى المَدِيني هذه الحِكَاية، وظَنَّهَا كلامًا متناقضًا، فقال: "ما أظنُّ هذا يصح؛ لأنه كلام متناقض؛ لأنه يقول: لستُ أخالفُ ما فيه ضعف؛ إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث: الأحاديث بخلافه"، قال: "وإن صحَّ؛ فلعله كان أوَّلًا، ثم أخرج منه ما ضَعُف؛ لأني طلبتُه في المسند، فلم أجِدْه"٤.
قلت: ليس في هذا تناقضٌ من أحمد ﵀، بل هذا هو أصله الذي بنى عليه مذهبه، وهو لا يقدم على الحديث الصحيح شيئًا ألبتة٥، لا عَمَلًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحبٍ، وإذا لم يكن في المسألة حديثٌ صحيحٌ، وكان فيها حديثٌ ضعيفٌ، وليس في الباب
(١) لم أقف في المسند المطبوع على حديث ربعي عن حذيفة، الذي يرويه عبد العزيز بن أبي روَّاد.
(٢) في (ظ) كأنها (نصبت).
(٣) سقط من (مط).
(٤) انظر خصائص المسند (ص/ ٢١).
(٥) سقط من (ظ).
شيء يردُّه = عَمِلَ به، فإن عارضه ما هو أقوى منه، تركه للمعارض القويِّ، وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياس، قدَّم الحديث الضعيف على القياس.
وليس الضعيف في اصطلاحه هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل هو والمتقدمون يُقسِّمون الحديث إلى صحيح وضعيف، والحسن عندهم داخل في الضعيف بحسب مراتبه.
وأوَّل من عُرِف عنه أنه قسمه إلى ثلاثة أقسام أبو عيسى الترمذي، ثم الناس تبعٌ له بعد١.
فأحمد يقدِّم الضعيف - الذي هو حسنٌ عنده - على القياس، ولا يلتفت إلى الضعيف الواهي الذي لا يقوم به حجَّة، بل يُنْكر على مَن احتجَّ به وذهب إليه، فإن لم يكن عنده في المسألة حديث، أخذ فيها بأقوال الصحابة ولم يخالفهم، وإن اختلفوا، رجَّح من أقوالهم، ولم يخرج منها، وإذا اختلفت الصحابة في مسألة، ففي الغالب يختلف جوابه فيها، ويَخْرجُ عنه فيها روايتان أو أكثر، فَقَلَّ مسألةٌ عن الصحابة فيها روايتان؛ إلا وعنه فيها روايتان أو أكثر، فهو أتبع خلق الله تعالى للسنن مَرْفوعِهَا ومَوْقوفِهَا.
وقد صَنَّف الحافظ أبو موسى المديني كتابًا ذكر فيه فضائل المسند وخصائصه٢ قال فيه: "ومن الدليل على أنَّ ما أودعه الإمام أحمد قد