قال في كتابه١: "سعيد بن بشير: له عند أهل دمشق تصانيف؛ لأنه سَكَنها، وهو بصْرِي، ورأيت له تفسيرًا مُصَنَّفًا من رواية الوليد عنه، ولا أرى فيما رُوي عن سعيد بن بشير بأسًا، ولعله يَهِمُ في الشَّيء بَعْدَ الشيءِ، وَيَغْلَط، والغالبُ على حديثه الاستِقَامة، والغالب عليه الصِّدْق".
ثم قال: "حدثنا القاسم بن الليث الرَّسْعَنِي وعُمَر بن سِنَان وابن دُحَيْم؛ قالوا: حدثنا هشام بن عمَّار حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بَشِيْر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من أدخل فرسًا بين فرسين فذكر الحديث.
حدثناه عَبْدَان حدثنا هشام حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ".
قال ابن عدي: "وذَكَر لنا عَبْدَان في هذا الحديث قِصَّة، وقال: لُقِّنَ هشام بن عَمَّار هذا الحديث عن سعيد بن بشير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، والحديث عن قتادة عن سعيد بن المسيب".
قال ابن عدي: "وهذا الذي قاله عَبْدَان غلطٌ وخطأ، والحديث عن سعيد بن بشير عن الزهري أصوب من سعيد بن بشير عن قتادة؛ لأنَ
(١) الكامل في ضعفاء الرجال (٣/ ٣٧٢).
هذا الحديث من حديث قتادة ليس له أصل، ومن حديث الزُّهري له أصل، وقد رواه عن الزهري سفيان بن حُسين أيضًا".
فهذا كلام ابن عدي - كما ترى - لا يدلُّ على أن الحديث صحيح ثابت عنده١، بل كلامه فيه مثل كلام الدارقطني؛ فإنه أنكر أن يكون من حديث قتادة، وإنما هو من حديث الزهري، ولا ريب أن الزُّهري حدث به، وله أصل من حديثه، وقد حمله الناس عنه، لكن الأئمة الأثبات من أصحابه، كمالك واللَّيْث وعُقَيْل ويونس وشُعَيْب بن أبي حمزة؛ وقفوه عنه على سعيد بن المسيب، وَرَفَعَهُ من لا يُجَاري هؤلاء في مِضْمَارهم، ولا يُعدُّ في طبقتهم في حفظٍ ولا إتقان، وهما: سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير.
فابن عديٍّ والدارقطني أنكرا روايته عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وصوَّبا رواية من رواه عن الزُّهري عن سعيد، فأين الحُكْمُ له بالصِّحَّة والثُّبوت من هذا؟!
ثم لو كان ذلك تصحيحًا صريحًا منهما: لَمَا قُدِّم على تعليل مَن حكينا تعليلَه من الأئمة، كأبي داود وأبي حاتم ويحيى بن معين وغيرهم، وغاية ذلك أن تكون مسألة نزاع بين أئمة الحديث، والدليل يفصل بينهم، فكيف ولم يصحِّحه إلا مَن تصحيحه كالقبض على الماء، وقد عُهِدَ منه تصحيح الموضوعات، وهو أبو عبد الله الحاكم، وله في "مستدركه" مما شاء الله من الأحاديث الموضوعة قد