وقد ذكر الحافظ عبد القادر الرُّهَاوي في كتاب "المادح والممدوح" له أن أبا الحسن الدارقطني لما وقف عليه أنكره، وقال: "يَسْتَدْرِكُ عليهما حديث الطَّيْر؟!. فبلغ ذلك الحاكم، فضرب عليه من كتابه"١.
وذكر عن بعض الأئمة الحفَّاظ٢ أنه لما وقف عليه قال: "ليس فيه حديث واحدٌ يُسْتَدْرَك عليهما!!
وبالجملة، فتصحيح الحاكم لا يُستفاد منه حُسْنُ الحديث ألْبَتَّة، فَضْلًا عن صِحَّته.
فصلٌ
قالوا: وأما سؤال أبي عيسى الترمذي للبخاري٣ عن حديث سفيان بن حسين في الصدقات؟ وقوله: "أرجو أن يكون محفوظًا، وهو صدوق".
فلا يدلُّ على صحة حديث الدَّخيل - الذي نحن فيه - عنده؛ فإن حديثه في الصدقات محفوظ من حديث الزهري عن سالم عن أبيه، وهو كتابٌ كتبه رسول الله ﷺ، وعمل به الخلفاء، وأَمَرَ عمر بن
(١) انظر السير للذهبي (١٧/ ١٧٦) فقد ضعَّف الحكاية.
(٢) كأبي سعد الماليني، وقد تعقَّبهُ الذهبي في السير (١٧/ ١٧٥)، ثم تعقَّب الحافظُ ابنُ حجر الذهبيَّ في النكت (١/ ٣١٤ - ٣١٩).
(٣) تقدم (ص/ ١٥٥).
عبد العزيز بانتساخه، وبعثه إلى بلاد الإسلام يعملون به، وهو كتابٌ مشهورٌ متوارَثٌ عند١ آل عمر؛ ككتاب عَمْرو بن حَزْم، وكتاب عليّ، وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر الصديق، وهذه الكتب تُصَدِّقه وتشهد بصحّته، وإن كان فيه خلاف يسير لبعضها٢، وإنما أُنكر على سفيان بن حسين رفعه، وإلَّا، فالحديث قد رواه غير واحد عن الزهري عن سالم مُرْسَلًا، ولكن قد تابع سفيان بن حسين على وَصْلِهِ سليمانُ بن كَثيْر، وهو ممَّن اتَّفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه، فأين هذا من حديثه في المحلِّل الذي لا شاهد له ولا نظير، وقد خالفه الناس في رفعه؟!
وقول البخاري فيه: إنه صدوق؛ إنما يدلُّ على أنه صدوق٣ ثقة لا يتعمَّد الكذب، وهذا لا يكفي في صِحَّة الحديث كما تقدَّم.
وأيضًا، فالبخاري يوثِّق جماعة، ويعلِّل هو بعينه بعضَ حديثهم ويضعِّفه، وكذلك غيره من الأئمة، ولا تنافي عندهم بين الأمرين، بل هذا عندهم من علم الحديث، وفِقْه عِلَله، الذي تميّز به نُقَّاده وأطبَّاؤه من٤ حملته الذين همَّتهم مجرَّد روايته لا درايته.
(١) في (ح) (عن آل عمر).
(٢) في (مط) (وهذه الكتب تصدقها وتشهد بصحتها، وإن كان فيها خلاف يسير ببعضها).
(٣) من (ظ).
(٤) في (مط) (التي بها تميزه نقاده وأطباؤه، بخلاف حملته)، وفي (ح) التي تميزه نقاده وأطباؤه).