ممَّن يحتمل ذلك منه، كالزُّهري وعمرو بن دينار وسعيد بن المسيب ومالك وحمَّاد بن زيد وسفيان بن عيينة ونحوهم؛ فإن الناس إنما احْتَمَلُوا تفرُّد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يُتابعون عليه؛ للمَحَلِّ الذي أحَلَّهم الله تعالى به، من الإمَامَةِ والإتقانِ والضَّبْط.
فأما مثل: سفيان بن حسين وسعيد بن بَشِيْر وجعفر بن بُرْقَان وصالح بن أبي الأخضر ونحوهم؛ فإذا انفرد أحدهم بما لا يُتابع عليه؛ فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأسًا.
وأما إذا روى أحدهم بما١ يخالف الثقات فيه؛ فإنه يزداد وهنًا على وهنٍ.
فكيف تُقَدَّم رواية أمثال هؤلاء على رواية مثل: مالك واللَّيْث ويونس وعُقَيل وشُعَيب ومَعْمَر والأوزاعي وسفيان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأضرابهم؟!
هذا مما لا يستريب فيه٢ مَن له معرفة بالحديث وعلله في بطلانه، وبالله تعالى التوفيق.
فصلٌ
قالوا: وأما قولكم: "إن غاية ما يعلَّل به الحديث الوقف على سعيد بن المسيب، وهذا لا يمنع صحته، فقد يكون الحديث عند
(١) في (ح، مط) (ما).
(٢) من (ظ).
الراوي مرفوعًا، ثم يُفْتِي به من قَوْلِه، فيُنْقَل عنه موقوفًا، فلا تناقض بين الروايتين، فقد أمكن تصديقهما".
فجوابه: إن هذه طريقة لا تُقْبَل مطلقًا، ولا تُردُّ مطلقًا؛ يجب قبولها في موضع١، ويجب ردُّها في موضع، ويتوقف فيها في موضع:
- فإذا كان الأئمة الثقات الأثبات قد رفعوا الحديث أو أسندوه، وخالفهم من ليس مثلهم، أو شذَّ عنهم واحد فوقفه أو أرسله؛ فهذا ليس بعلَّة في الحديث، ولا يقدح فيه، والحكم لمن رفعه وأسنده.
- وإذا كان الأمر بالعكس، كحال حديث سفيان بن حسين هذا وأمثاله؛ لم يُلْتَفت إليه، ولا٢ إلى من خالفهم في وقْفِه وإرْسَاله، ولم يُعْبَأ به شيءٌ، ولا يصير الحديث به مرفوعًا ولا مسندًا ألبتَّة، وأئمة أهل الحديث كُلُّهم على هذا.
فإنه إذا كان الثقات الأثبات الأئمة من أصحاب الزهري دائمًا يروونه عنه موقوفًا على سعيد، ولم يرفعه أحدٌ منهم مرة واحدة؛ مع حِفْظِهِم حديث الزهري، وضبطهم له، وشِدَّة اعتنائهم به٣، وتمييزهم بين مرفوعه وموقوفه ومرسله ومسنده، ثم يجيء من لم يَجْرِ معهم في ميدانهم، ولا يدانيهم في حفظه ولا إتقانه وصحبته للزهري،