وابن بُكَير١ وعبد الله بن مَسْلَمَة وعبد الله بن نافع٢ وأبو مُصْعَب وابن عبد الحكم = لم يلتفتوا إلى روايتهم، وعَدّوْها شَاذة، وقالوا: هؤلاء أعلم بمالك، وألزم له، وأخبر بمذهبه من غيرهم.
حتى إنهم لا يَعُدُّون رواية٣ الواحد من أولئك خلافًا، ولا يحكونها إلا على وجه التَّعْرِيف أو نَقْل الأقوال الغَرِيْبة، فلا يقبلون عن مالكٍ كل من روى عنه، وإن كان إمامًا ثقةً، نظيرَ ابن القاسم أو أجَلَّ منه، بل إذا روى ابن القاسم وروى غيره عن مالك شيئًا، قدَّموا رواية ابن القاسم ورجَّحُوْها، وعَمِلُوا بها، وألْغَوْا ما سِواها.
* وهكذا أصحاب أبي حنيفة، إذا روى لهم أبو يوسف القاضي ومحمد وأصحاب الإِمْلاء شيئًا، ثم روى عنه مثل٤ القاسم بن مَعْن وبِشْر بن زياد وفِطْر بن حماد بن أبي سليمان وعافِيَة بن يزيد ونُوْح الجامع وعبد الله بن زياد، ومن هو فوق هؤلاء ممَّن له رواية عن أبي حنيفة كالحسن بن زياد اللؤلؤي وداود بن نصير وأبي خالد الأحمر وغيرهم لم يلتفتوا إلى روايتهم، وقالوا: هذه رواية شاذَّة، مخالفة لرواية أصحابه، الذين هم أخْبر بمذهبه عنه ولا يجعلون رواية الحسن بن زياد كرواية أبي يوسف ألْبتَّة.
* وكذلك أصحاب الشَّافعي، إنما يقبلون عنه ما كان من رواية
(١) قوله (وابن بكير) سقط من (ظ).
(٢) قوله (عبد الله بن نافع) سقط من (مط).
(٣) في (ظ) (برواية).
(٤) سقط من (مط).
الرَّبِيْع والمُزَنِي والبُوَيْطِي وحَرْمَلة وأمثالهم، فإذا روى عنه غيرهم ممَّن هو مثل هؤلاء وأجل منهم١ ما يخالف رواية أولئك؛ لم يلتفتوا إليها، مثل: أبي ثَوْر وابن عبد الحكم والزَّعْفَرَانِي، وقالوا: أولئك أعلم بمذهبِهِ، ومذهبُه٢ ما حَكَوْهُ عنه دون هؤلاء.
بل ما نقله الترمذي عنه في كتابه بأصح إسناد، وابن عبد البر وغيرهما ممن يحكي مقالات العلماء: لم يجعلوه في رُتْبَة ما حَكَاهُ أولئك عنه، ولا يعدُّونه في الغالب خِلافًا.
* وكذلك أصحاب أحمد، إذا انفردَ راوٍ عنه برواية، تكلموا فيها، وقالوا: تفرَّد بها٣ فلانٌ، ولا يكادون يجعلونها روايةً؛ إلَّا على إغْمَاض، ولا يجعلونها معارِضة لرواية الأكثرين عنه، وهذا موجودٌ في كتبهم؛ يقولون: انفرد بهذه الرواية أبو طالب، أو فلان لم يرْوِها غيره.
فإذا جاءت الرواية عنه عن غير عبد الله وصالح وحَنْبل وأبي طالب والميموني والكوسج وابن هانئ والمرُّوْذِي والأثرم وابن القاسم ومحمد بن مُشَيْش ومُثنَّى بن جامِع وأحمد بن أصْرَم وبِشْر بن موسى، وأمثالهم من أعيان أصحابه؛ استغربوها جِدًّا، ولو كان الناقل لها إمَامًا ثَبْتًا.
ولكنهم٤ أعلى تَوَقِّيًا في نقل مذهبه، وقبول رواية مَنْ روى عنه
(١) سقط من (ظ)، وفي (ح) (ممن هو أمثل هؤلاء وأجل منهم).