العارفون بحديثه شيئًا، وانفرد عنهم وخالفهم من هم أخصُّ بالشيخ منه، وأعرف بحديثه: إنَّ هؤلاء أعرفُ بحديثه من هذا المُنْفَرِد الشَّاذ؟! *
فصلٌ
قالوا: فهذا الجواب عن الحديث من جهة السند.
وأما الجواب عنه من جهة الدلالة:
فنحن نتنزَّل معكم١ ونسلِّم صحة الحديث، ونبيِّن أنه لا حُجَّة لكم فيه على اشتراط المحلِّل على الوجه الذي ذكرتموه ألْبَتَّة، وأن لفظه لا يدل على اشتراطه - بل ولا على جوازه -؛ فإن ها هنا أربع مقالات يصير بها محلِّلًا:
أحدهما: أن يُخرجا معًا.
الثاني: أن لا يُخْرِج هو شيئًا.
والثالث: أن يكونوا ثلاثة فصاعدًا.
الرابع: أن يَغْنَم إن سَبَق، ولا يغرم إن سُبِق٢.
فيالله العجب!! من أين تُستفاد هذه الأمور من الحديث؟!
(١) من (ظ).
(٢) في (مط) (لم يسبق)، وفي (ح) (إن يُسْبق).
وبأي دلالة من الدلالات الثلاث التي١ يُستَدلُّ بها عليه؟! فإن الذي يدلُّ عليه لفظه: أنه إذا استبق٢ اثنان، وجاء ثالث دخل معهما، فإن كان يتحقَّق من نفسه سبقهما، كان قمارًا؛ لأنه دخل على بصيرة أنه يأكل مالهما، وإن دخل معهما وهو لا يتحقَّق أن يكون سابقًا، بل يرجو ما يرجوانه، ويخاف ما يخافانه؛ كان٣ كأحدهما، ولم يكن أكله إن٤ سبقهما قمارًا؛ فإن العقود مبناها على العدل، فإذا استووا في الرجاء والخوف، والمَغْنَم والمَغْرَم؛ كان هذا هو العدل الذي يطمئن إليه القلب، وإذا تميَّز بعضهم عن بعض بغُنْم أو غُرْم، أو تيقَّن سَبْقَهُ لصاحبيه؛ لقوته وضعفهما؛ لم يكن هذا عدلًا، ولم تَطِب النفوسُ بهذا السِّبَاق.
وأما اشتراط الدخيل المستعار الذي هو شريك في الربح، بريء من الخُسْران؛ فأجَبْنَا عن الحديث أنه٥ لا يقتضيه بوجهٍ ما، وغايته: إنْ دَلَّ على المُحَلَّل؛ فإنما يدلُّ على أن المحلِّل إذا دَخَل ولا بُدَّ؛ فإنه يُشتَرط أن يكون بهذه الصِّفَة، ولا يدلُّ على أنه يُشتَرط دخوله، وأن يكون على هذه الصفة٦.
(١) في (ح) (الثلاث يستدل)، وفي (مط) (الدلالات التي).
(٢) في (ح) (استبقا عليه).
(٣) سقط من (مط)، وجاء في حاشية (ح) أنَّ (كأحدهما) من نسخةِ (ن).