فإن قلتُم: إنَّما دَخَلَ المحلِّل في هذا العقد؛ ليخرجه عن شَبَهِ القمار، فيكون دخولَه شَرْطًا١.
قلنا: قد تقدَّم من الوجوه الكثيرة ما فيه كفاية، أنَّ العقد ليس بدونه قمارًا، فإن كان بدون دخوله قمارًا؛ لم يخرُج به٢ عن شَبَهِ القمار، بل ذلك الشَّبَهُ باقٍ بعَيْنِهِ أو زائد، ولا جواب لكم عن تلك الوجوه ألْبَتَّة٣ وبالله تعالى التوفيق.
فصلٌ
قالوا٤: وأما دليلكم الثاني: وهو حديث ابن عمر: "أن النبيَّ ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينهما محلِّلًا".
فهذا٥ الحديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ألْبَتَّة، وَهِمَ فيه أبو حاتم؛ فإنَّ مداره على عاصم بن عمر أخي عُبيد الله وعبد الله وأبي بكر العُمَرِيِّين، فهم أربعةُ أخْوة٦:
(١) في (ظ) (شرعًا).
(٢) سقط من (ظ)، وفي (ح) (قمارًا يخرج به).
(٣) من (ظ).
(٤) في (ظ) (فإن قالوا: وما دليلكم …).
(٥) في (ظ) (قلنا: فهذا الحديث).
(٦) انظر الجرح والتعديل لشيخنا إبراهيم اللاحم (ص ٤٧٤ - ٤٧٥).
أوثقهم عبيد الله، متَّفق على الاحْتِجَاج بحديثه، وأما عبد الله وعاصم فضعيفان، أما عبد الله فكلامهم فيه مشهور.
وأما أخوهُ عاصم صاحب هذا الحديث١: فقال البخاري: "هو منكر الحديث". وقال ابن عدي: "ضعَّفوه". وقال الإِمام أحمد في رواية ابنه صالح: "ضعيف"، وفي رواية أخرى: "ليس بشيء٢ ". وضعفه أبو حاتم. وقال هارون بن موسى الفَرْوِي: "ليس بقوي". وقال الجُوْزَجَاني: "يُضَعَّف في حديثه". وقال النسائي: "ليس بثقة". وقال الترمذي: "ليس عندي بالحافظ". وقال النسائي مرة: "متروك".
وقال ابن عدي٣: "ضعَّفوه"، ثم سَرَدَ له أحاديث جمَّة، مِن جُمْلَتِهَا هذا الحديث المذكور.
وأما ابن حبان: فتناقض فيه؛ فإنه أخرج حديثه في "صحيحه"، وقال في كتاب "الضعفاء"٤: "منكر الحديث جدًّا، يروي عن الثقات ما لا يُشْبِه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات".
ومن كانت هذه حالته عند أهل الحديث، لا يُحْتجُّ بِخَبَرِه.
وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: "عاصم بن عمر هذا تكلَّم
(١) انظر ترجمته وأقوال أهل الحديث فيه، في تهذيب الكمال للمزي (١٣/ ٥١٧ - ٥١٩) والكامل لابن عدي (٥/ ٢٢٨ - ٢٣١).