قالوا١: وأما دليلكم الثالث: وهو حديث أبي هريرة: "لا جَلَب ولا جَنَب، وإذا لم يُدْخِل المتراهنان فرسًا يستبقان على السبق فيه فهو حرام".
فحديث لا تقوم به حُجَّة، ولا يَثْبت بمثله حُكْم؛ فإن راويه مجهول العَيْنِ والحال، لا يُعْرَف اسْمُه، ولا نَسَبُه، ولا حَاله؛ إلا أنه رجلٌ من بني مخزوم، ومثل هذا لا يُحتجُّ بحديثه باتِّفاق أهل الحديث.
وأيضًا، فإن هذا الحديث منكر؛ فإن هذا المجهول تفرَّد به من بين أصحاب أبي الزِّنَاد كلِّهم، مع اعتنائهم بحديثه، وحفظهم له، فكيف يفوتُهم ويظفر به مجهول العين والحال؟!
والذي يظهر منه٢ أن هذه الزيادة من كلام أبي الزناد، أُدْرِجت في الحديث، والحديث المحفوظ عن عن أبي هريرة ما رواه الناس عنه: "لا جَلَب ولا جَنَب" فقط؛ فحدَّث به أبو الزِّناد، ثم أتبعه من عنده: "وإذا لم يُدْخِل المتراهنان فرسًا" إلى آخره، فحمله هذا الراوي المجهول عنه، وحدَّث به من غير تَمْييز.
وبالجملة فالكلام في هذا الحديث كالكلام في الذي قبله، بل بطلانه أظهر، والله أعلم.
(١) ليس في (ظ)، وحديث أبي هريرة الآتي تقدم (ص/ ١٦٠).
(٢) في (ح، مط) (فيه).
فصلٌ
قالوا: وأما دليلكم الرابع: في قِصَّة المُتقامِرَين في الظَّبي، أيهما يسبق إليه، وأن عمر بن الخطاب؛ قال "هذا قمار".
فتعلُّق ببَيْتِ العنكبوت؛ لأن عمر لم يجعله قمارًا لعدم المحلِّل، وإنما كان قَمارًا لأنه أكلُ مالٍ بالباطل؛ فإنهما استبقا إلى فعلٍ لا يجوز بذل السَّبَق فيه بالاتفاق، وهو أخذ الصَّيد في حال الإحرام، فهذا قمارٌ، وإنْ دَخَلَ فيه المحلِّل.
وحتى لو كان استبقا إلى فعل جائز على الأقْدَام؛ فأكل المال به قمارٌ عند الجمهور؛ لأنه ليس من الخُفِّ والحافر والنصْل.
هذا مع أنّ الحديث من رواية المتَّفق على ضعفه: علي بن زيد بن جُدْعان١. وبالله تعالى التوفيق.
فصلٌ
قالوا: وأما دليلكم الخامس: وهو حديث البخاري: إن النبي ﷺ مرَّ بقومٍ مِن أسلم٢ ينتضلون .... الحديث، وفيه: "ارموا، وأنا معكم كلكم".
فسبحان الله! ماذا يوجِبُ نصرة المذاهب والتقليد لأربابه من
(١) هو مختلَفٌ فيه، بين موثِّق وبين مضعِّف، وهو إلى الضعف أقرب، خاصَّة ما ينفرد به؛ وهو في الأصل صدوق. انظر تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٣٤ - ٤٤٥).