قالوا: وأما دليلكم الرابع: في قِصَّة المُتقامِرَين في الظَّبي، أيهما يسبق إليه، وأن عمر بن الخطاب؛ قال "هذا قمار".
فتعلُّق ببَيْتِ العنكبوت؛ لأن عمر لم يجعله قمارًا لعدم المحلِّل، وإنما كان قَمارًا لأنه أكلُ مالٍ بالباطل؛ فإنهما استبقا إلى فعلٍ لا يجوز بذل السَّبَق فيه بالاتفاق، وهو أخذ الصَّيد في حال الإحرام، فهذا قمارٌ، وإنْ دَخَلَ فيه المحلِّل.
وحتى لو كان استبقا إلى فعل جائز على الأقْدَام؛ فأكل المال به قمارٌ عند الجمهور؛ لأنه ليس من الخُفِّ والحافر والنصْل.
هذا مع أنّ الحديث من رواية المتَّفق على ضعفه: علي بن زيد بن جُدْعان١. وبالله تعالى التوفيق.
فصلٌ
قالوا: وأما دليلكم الخامس: وهو حديث البخاري: إن النبي ﷺ مرَّ بقومٍ مِن أسلم٢ ينتضلون .... الحديث، وفيه: "ارموا، وأنا معكم كلكم".
فسبحان الله! ماذا يوجِبُ نصرة المذاهب والتقليد لأربابه من
(١) هو مختلَفٌ فيه، بين موثِّق وبين مضعِّف، وهو إلى الضعف أقرب، خاصَّة ما ينفرد به؛ وهو في الأصل صدوق. انظر تهذيب الكمال (٣٠/ ٤٣٤ - ٤٤٥).
(٢) سقط من (ظ) (من أسلم)، والحديث تقدم (ص/ ١٦).
ارتكاب أنواع من الخطإِ والاستدلال بما ليس بدليل، ومخالفة صريح الدليل؟!
فيا للهِ العَجَب! أين دِلالة هذا الحديث على المحلِّل بوجْهٍ مِن الوجوه؟! وهل مثل١ هذا إلا حُجَّة عليكم؟!
فإنَّ النبي ﷺ قال أوَّلًا٢: "ارموا وأنا مع بني فلان"، فلم يسأل: هل أخْرَجَ الحزبان معًا؟ أو أحدهما؟ أو لم يخرج أحدٌ شيئًا؟ فدلَّ على أن لا فَرْق في جَوَاز العَقْد.
ثم إن المحلِّل لا يكون مع أحد الحزبين، ولا يجوز له أن يقول: أنا مع فلان، أو مع هذا الحزب٣ دون هذا، فليس هذا من٤ شأن المحلِّل، ولا يتمُّ لكم حينئذٍ٥ الاستدلال بالحديث إلا بعد أمور:
أحدها: أن الحزبين أخرجا معًا، وأن النبي ﷺ علم بذلك، ودخل معهم ولم يُخْرِج، وكان محلِّلًا.
وهذا، إن لم يُقْطَع ببطلانه؛ فدعواه دعوى مجرَّدة عن برهان من الله تعالى ورسوله ﷺ، فلا تكون مسموعةً ولا مقبولةً.
(١) في (ظ) (.. هذا الحديث ومثل هذا إلا حجة عليكم).