ثم نقول: ثانيها١: إن كان الإخراج قد وقع من كِلَا الفريقين، فالحديث حُجَّة عليكم٢، فإن قال: "ارموا وأنا مع بني فلان"، والمحلِّل لا يكون مع أحدهما.
وثالثها٣: إنْ كان المخرِجُ أحد الفريقين، أو لم يكن إخراجٌ بالكلِّيَّة، بطل استدلالكم بالحديث، فهو إما أن يكون حُجَّةٌ عليكم، أو ليس لكم فيه حُجَّة أصْلًا.
فإن قيل: فما فائدة دخوله ﷺ مع كلا الفريقين إذا لم يكن محلِّلًا؟
فالجواب: إنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا صارَ مع أحد الحزبين، أمسك الحزب الآخر، وعلموا أنَّ النبي ﷺ إذا كان في حزبٍ؛ كان هو الغالب المنصور، فلم يختاروا٤ أن يكونوا في الحزب الذي ليس فيه رسول الله ﷺ، فلمَّا عَلِمَ ذلك منهم، طَيَّبَ قُلُوبَهم، وقال: "أنا معكم كلكم".
هذا مقتضى الحديث الذي يدلُّ عليه، وهو بَرِئٌ من التحليل. وبالله تعالى التوفيق.
(١) من (مط).
(٢) سقط من (ظ).
(٣) سقط من (ظ)، (ح).
(٤) في (مط)، (ح) (يحتاجوا).
فصلٌ
قالوا: وأما دليلكم السادس: "وهو١ أنه إذا لم يكن معهما محلِّل وأخرجا معًا؛ فقد دار كلُّ واحدٍ منهما بين المَغْنَم والمَغْرَم، وهذا حقيقة القمار".
فقد تقدَّم من الوجوه الكثيرة، التي لا جواب لكم عنها ما يبطله، ويبيِّن أنه إن كان هذا العقد بدون المحلِّل قمارًا؛ فهو بالمحلِّل أولى أنْ يكون قمارًا، وإن لم يكن قمارًا٢ بالمحلِّل؛ فهو بدونه أولى أن لا يكون قمارًا؛ ولا يُتَصَوَّرُ أن يكون قمارًا٣ في إحدى الصورتين دون الأخرى، ولا يذكرون فرْقًا ولا معنى إلا كان اقتضاؤُه بعدم اشتراط المحلِّل أَظْهَرَ مِن اقتضائه لاشتراطه.
وقد تقدَّم مِنَّا بيان ذلك، فإن كان لكم عنه جوابٌ، فبيِّنُوه، ولا سبيل إليه.
فصلٌ
وأما قولكم: "لو لم يكن في هذا إلا أنه٤ قول أعلم التابعين سعيد بن المسيب؛ فإن مذهب أبي حنيفة أن التابعي إذا عاصر الصحابة
(١) من (ظ).
(٢) في (ح) (مط) (وإن يكن بالمحلل وهو بدونه).
(٣) من قوله (لا يكون) إلى قوله (قمارًا) من (ظ)، وفي (مط)، (ح) (أن يكون قمارًا في إحدى الصورتين).