الفروسية

وكل هذه التَّلْفِيْقَات بمعزلٍ عن البرهان الذي يطالَب به كل من قال قولًا في الدين.

وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فأين أَمَرَ بالرد إلى ما ذكرتم، ومن ذكرتم؟!

وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فوقف الإيمان على تحكيمه وحده، ولم يوقف الإِيمان على تحكيم غيره ألْبَتَّة.

وقولكم: "إن هذا قول الجمهور".

فإنْ كان قولُ الجمهور في كل مسألة تنازع فيها العلماء هو الصواب؛ وجب بطلان كل قول انفرد به أحد الأئمة عن الجمهور، ويُذْكَر لكلِّ طائفة من الطوائف ما انفرد به مَن قلَّدوه عن الجمهور، ولا يمكنهم إنكار ذلك، ولا الإقرار ببطلان قوله، ولا ملجأ لهم إلا التناقض. وبالله تعالى التوفيق. .

وهم إذا كان قول الجمهور معهم نادَوْا فيهم على رؤوس الأشهاد، وأجْلَبُوا بِهِمْ على مَن خالفهم، وإذا كان قولُهم خلاف قول الجمهور؛ قالوا: قول الجمهور ليس بحجة، والحجة في الكتاب والسنة والإِجماع!!

ثم نقول: أين المكاثَرة بالرجال إلى المكاثرة بالأدلة؟!

وقد ذكرنا من الأدلَّة ما لا جواب لكم١ عنه، والواجب اتِّباع

  1. (١) سقط من (ظ).
237

الدَّليل أين كان، ومع مَنْ كان، وهو الذي أوجب الله تعالى اتِّباعه، وحرَّم مخالفته، وجعله الميزان الراجح بين العلماء، فمن كان من جانبه، كان أسعد بالصواب، قَلَّ موافقوه أو كثروا.

وأما قولكم: "إن جمهور المسلمين رأوا هذا النقل١ حسنًا، وقد قال رسول الله ﷺ: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ".

فجوابه من وجوه:

أحدها: أن هذا يلزمكم في كل مسألةٍ انفرد بها مَن قلَّدتموه عن جمهور الأمة، فما كان جوابُكم لِمَنْ خالفكم، فهو جوابُنا لكم بِعَيْنه.

الثاني: أن هذا ليس من كلام رسول الله ﷺ، وإنما يضيفه إلى كلامه مَن لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابتُ عن ابن مسعود من قوله، ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفًا عليه، ولفظه: "إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قَلْبَ محمدٍ خير قلوب العباد، فاختاره لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصُحْبته، فما رآه المسلمون حسنًا؛ فهو عند الله حسنٌ".

الثالث: أنه لو٢ صحَّ مرفوعًا، فهو دليلٌ على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسنًا، فهو عند الله حسنٌ، لا ما رآه بعضهم. فهو حجة عليكم.

  1. (١) في (مط) (ح)، (القول)، والخبر الآتي تقدم (ص/ ١٦٦).
  2. (٢) في (مط، ح) (أنه إن صح).
238

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي