الدَّليل أين كان، ومع مَنْ كان، وهو الذي أوجب الله تعالى اتِّباعه، وحرَّم مخالفته، وجعله الميزان الراجح بين العلماء، فمن كان من جانبه، كان أسعد بالصواب، قَلَّ موافقوه أو كثروا.
وأما قولكم: "إن جمهور المسلمين رأوا هذا النقل١ حسنًا، وقد قال رسول الله ﷺ: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ".
فجوابه من وجوه:
أحدها: أن هذا يلزمكم في كل مسألةٍ انفرد بها مَن قلَّدتموه عن جمهور الأمة، فما كان جوابُكم لِمَنْ خالفكم، فهو جوابُنا لكم بِعَيْنه.
الثاني: أن هذا ليس من كلام رسول الله ﷺ، وإنما يضيفه إلى كلامه مَن لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابتُ عن ابن مسعود من قوله، ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفًا عليه، ولفظه: "إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قَلْبَ محمدٍ خير قلوب العباد، فاختاره لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصُحْبته، فما رآه المسلمون حسنًا؛ فهو عند الله حسنٌ".
الثالث: أنه لو٢ صحَّ مرفوعًا، فهو دليلٌ على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسنًا، فهو عند الله حسنٌ، لا ما رآه بعضهم. فهو حجة عليكم.
(١) في (مط) (ح)، (القول)، والخبر الآتي تقدم (ص/ ١٦٦).
(٢) في (مط، ح) (أنه إن صح).
الرابع: أن المسلمين كلَّهم لا يرون المحلِّل في عَقْد السِّباق حَسَنًا، بل كثيرٌ منهم تُنْكِرُه فِطرُهم وقلوبهم، ويرونه غير حسنٍ، ولو كان حسنًا عند الله، وهو من تمام العدل الذي فطر الله تعالى القلوب على استحسانه = لرأوه كلهم حسنًا، وشهدت به فِطَرُهم، وشهدت بقبح العقد إذا خلا عنه؛ كما شهدت بقبح الظلم والقمار، وحُسن العدل، وأكْل المال بالحق.
قالوا: ونحن نحاكمكم في ذلك إلى الفِطَرِ التي لم تندفع بالتعصُّب، ونصرة آراء الرجال والتقليد.
وأما قولكم: "إن القول بعدم المحلِّل قول شاذٌّ، وإنَّ من شذَّ شذَّ الله به".
فجوابه من وجوه:
أحدها: أن القول الشاذَّ هو الذي ليس مع قائله دليل١ من كتاب الله ولا من٢ سنَّة رسول الله ﷺ، فهْذا هو القول الشاذُّ، ولو كان عليه جمهور أهل الأرض، وأما قول ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فليس بشاذًّ، ولو ذهب إليه الواحد من الأمة؛ فإنَّ كثرة القائلين وقلَّتهم ليس بمعيارٍ وميزانٍ للحق يُعَيَّر٣ به ويوزَن به.
(١) في (مط) (شيء) بدلًا من (دليل)، وسقط من (ح) (دليل).
(٢) من (مط).
(٣) يُقال: عَيَّر الدنانير. أي وزنها واحدًا بعد الواحد. القاموس (ص/ ٥٧٥)، وفي (مط) (يعاير)، وفي (ح) (يُعبَّر به).