الرابع: أن المسلمين كلَّهم لا يرون المحلِّل في عَقْد السِّباق حَسَنًا، بل كثيرٌ منهم تُنْكِرُه فِطرُهم وقلوبهم، ويرونه غير حسنٍ، ولو كان حسنًا عند الله، وهو من تمام العدل الذي فطر الله تعالى القلوب على استحسانه = لرأوه كلهم حسنًا، وشهدت به فِطَرُهم، وشهدت بقبح العقد إذا خلا عنه؛ كما شهدت بقبح الظلم والقمار، وحُسن العدل، وأكْل المال بالحق.
قالوا: ونحن نحاكمكم في ذلك إلى الفِطَرِ التي لم تندفع بالتعصُّب، ونصرة آراء الرجال والتقليد.
وأما قولكم: "إن القول بعدم المحلِّل قول شاذٌّ، وإنَّ من شذَّ شذَّ الله به".
فجوابه من وجوه:
أحدها: أن القول الشاذَّ هو الذي ليس مع قائله دليل١ من كتاب الله ولا من٢ سنَّة رسول الله ﷺ، فهْذا هو القول الشاذُّ، ولو كان عليه جمهور أهل الأرض، وأما قول ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، فليس بشاذًّ، ولو ذهب إليه الواحد من الأمة؛ فإنَّ كثرة القائلين وقلَّتهم ليس بمعيارٍ وميزانٍ للحق يُعَيَّر٣ به ويوزَن به.
(١) في (مط) (شيء) بدلًا من (دليل)، وسقط من (ح) (دليل).
(٢) من (مط).
(٣) يُقال: عَيَّر الدنانير. أي وزنها واحدًا بعد الواحد. القاموس (ص/ ٥٧٥)، وفي (مط) (يعاير)، وفي (ح) (يُعبَّر به).
وهذه غير طريقة الرَّاسخين في العلم، وإنما هي طريقة عامَّيَّة، تَلِيْقُ بمَن بِضَاعَتهم من كتاب الله والسنة مُزْجَاة.
وأما أهل العلم الذين هم أهله؛ فالشذوذ عندهم والمخالفة القبيحة هي الشذوذ عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومخالفتها، ولا اعتبار عندهم بغير ذلك، ما لم يُجْمِع المسلمون على قولٍ واحدٍ١، ويُعْلَم إجماعُهم يَقِيْنًا، فهذا الذي لا تَحِلُّ مخالفته.
ونحن نقول لمنازعينا في هذه المسألة: إذا كان القول ببطلان المحلِّل باطلًا مخالفًا للكتاب والسنة والإجماع، فلا بدَّ أن تكون أدلَّة بطلانه ظاهرة لا تخفى، وقويَّة لا تضعف، ولا يمكن أن تكون أدلَّة القول الباطل المخالف للإِجماع قويَّةً كثيرةً، ولا يمكنكم إبطالها ولا معارضتها، فإن بيَّنْتُم بطلان هذه الأدلَّة بأقوى منها وأظهر؛ فالرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل٢، وإن لم يكن بأيديكم إلا بعض ما قد٣ حكينا عنكم؛ فإنا ذكرنا لكم من الأدلَّة ما لم يوجد عندكم ألْبَتَّة، ولا ذَكَرَهُ أحدٌ ممَّن انتصر لقولكم، ثم ذكرنا من الكلام عليها دليلًا دليلًا٤ ما إن كان باطلًا؛ فردُّه مقدور ومأمورٌ به٥، وإن كان حقًّا؛ فمتَّبعُه محسنٌ، وما على المحسنين من سبيل.