وسرُّ١ المسألة وفقهها: أن الله سبحانه لمَّا٢ حرَّم الميسر؛ هل هو لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمِّنة لأكل المال بالباطل؟
فعلى هذا، إذا خلا عن العِوَض لم يكن حرامًا.
فلهذا طَرد مَنْ طَرد ذلك هذا٣ الأصل، وقال: إذا خَلا النَّرْد والشطرنج عن العِوَض، لم يكونا٤ حرامًا. ولكن هذا القول خلاف النصِّ والقياسِ كما سنذكره.
أو حرَّمه لما يشتمل عليه في نفسه من المفسدة، وإنْ خلا عن العِوَض، فتحريمه من جنس تحريم الخمر؛ فإنه يوقع العداوة والبغضاء، ويصدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وأكل المال فيه عونٌ وذريعةٌ إلى الإقبال عليه، واشتغال النفوس به؟
فإنَّ الداعي حينئذٍ يَقْوَى من وجهين: من جهة المغالبة، ومن جهة أكل المال، فيكون حرامًا من الوجهين.
= الله ورسوله). أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٧) والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢١٥) وغيرهما. وحميد فيه جهالة، لكن قال ابن حبان في الثقات في ترجمة حميد بن بكر (٦/ ١٩١): (يعتبر بحديثه إذا لم يكن في إسناده إنسان ضعيف) ا. هـ. قلت: وهذا يحتمل أنه هو ابن بشير، ويحتمل غيره.
(١) في (مط) (وتحرير).
(٢) في (ظ) (لماذا).
(٣) ليس في (مط) (هذا).
(٤) في (ظ) (لم يكن)
وهذا المأخذُ أصحُّ نصًّا وقياسًا١ وأصول الشريعة وتصرُّفاتها تَشْهَدُ له بالاعْتِبَار؛ فإن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٩٠ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ٩١ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾[المائدة: ٩٠ - ٩٢].
فَقَرَنَ المَيْسِرَ بالأنصابِ والأزلامِ والخمر، وأخْبرَ أن الأربعةَ رجسٌ، وأنها من عمل الشيطان، ثم أمر باجتنابها، وعلَّق الفلاحَ باجتنابها، ثمَّ نبَّه على وجوهِ المفسدةِ المقتضيةِ للتَّحريم فيها، وهي ما يُوْقِعُهُ الشيطان بين أهلِها من العداوةِ والبغضاءِ ومن الصَّدِّ عن ذكر الله، وعن الصلاة.
وكل أَحَدٍ يعلم أن هذه المفاسدَ ناشئةٌ من نفسِ العمل، لا من مجرَّد أكل المال به. فتعليل التحريم بأنه متضمِّن لأكل المال بالباطل؛ تعليلٌ بغير الوصف المذكور في النَّصِّ، وإلغاءُ للوصف الذي نبَّه النصُّ٢ عليه، وأرشد إليه.
وهذا فاسدٌ من الوجهين.
يوضِّحه: أن السلف الذين نزل القرآن بلغتهم سَمَّوْا نفس
(١) في (ظ) (وقياسًا - نعم -)، ويظهر أنها من عمل الناسخ، وقد حذفت نظائرها من النص.