الفعل١ مَيْسِرًا لا أكل المال به، فقال غير واحد من السلف٢: "الشطرنج ميسر العَجَم".
وصنَّف أبو محمد بن قُتَيْبَة كتابًا في المَيْسِر٣، وذكر فيه أنواعه وأصنافه، وعدَّها.
ومعلومٌ أنَّ أكل المال بالميسر قد زاد على كونه ميسرًا، ولهذا كان أكل المال٤ به أكلًا له بالباطل؛ لأنه أكلٌ بعمل محرَّم في نفسه، فالمال حرامٌ، والعمل حرامٌ؛ بخلاف أكله بالنوع الأول؛ فإنه أكلٌ بحق، فهو حلالٌ، والعمل طاعةٌ.
وأما النوع الثالث: وهو المباح؛ فإنه وإن حَرُمَ أكْلُ المال به؛ فليس لأن في٥ العمل مفسدة في نفسه، وهو حرامٌ، بل لأن تجويزَ أكْلِ المال به ذريعةٌ إلى اشتغال النفوس به، واتِّخاذه مكسبًا، لا سيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس، فتشتدُّ رغبتها فيه من الوجهين، فأُبيح في نفسه؛ لأنه إعانة وإجمامٍ للنفس وراحة لها، وحرم أكل المال به٦؛ لئلَّا يُتَّخذ عادةً وصناعةً ومَتْجَرًا، فهذا من
(١) في (مط) (العمل).
(٢) ورد عن علي ﵁ عند ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٢٨٨) رقم (١٦١٤١) والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢١٢). وسنده منقطع، قال البيهقي: "هذا مرسل، ولكن له شواهد".
(٣) هو كتاب "الميسر والقِدَاح".
(٤) من قوله (بالميسر) إلى (المال) من (ظ).
(٥) من (مط).
(٦) من (ح) (أكل به).
حكمة الشريعة، ونظرها في المصالح والمفاسد ومقاديرها.
يوضِّح هذا أن الله سبحانه حرَّم الخمر، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر، لأن قليلها يدعو إلى كثيرها الذي يغيِّر العقل١، ويوقع في المفاسد التي يريد الشيطان أن يوقع العباد فيها، ويمنع عن الإصلاح٢ الذي يحبُّه الله تعالى ورسوله، فتحريم كثيرها من باب تحريم الأسباب المُوْقِعَةِ في الفساد، وتحريم قليلها من باب سَدِّ الذرائع.
وإذا تأملت أحوال٣ هذه المغالبات؛ رأيتها في ذلك كالخمر، قليلها يدعو إلى كثيرها، وكثيرها٤ يصدُّ عن ما يحبه الله تعالى ورسوله، ويوقع فيما يبغضه الله تعالى ورسوله، فلو لم يكن في تحريمها نصٌّ؛ لكانت أصولُ الشريعة وقواعدها وما قد٥ اشتملت عليه من الحِكَم والمصالح وعدم الفرق بين المتماثلين = تُوجِبُ تحريم ذلك والنهي عنه، فكيف٦ والنصوص قد دلَّت على تحريمه؟! فقد اتَّفق على تحريم ذلك النَّصُّ والقِيَاس. .
وقد سَمَّى عليُّ بن أبي طالب - أمير المؤمنين رضي الله تعالى
(١) قوله (الذي يغير العقل) وقع في (ظ) (وكثيرها يغيِّر العقل).